
“أشعر بألم عميق وإحراج شديد كضابط وكقائد بسبب الفشل المنهجي الذي حدث في 7 أكتوبر”. بهذه الكلمات أنهى اللواء غسان عليان عمله كرئيس لوحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة (COGAT)، المسؤولة عن الضفة الغربية وقطاع غزة. لكنه أردف قائلاً: “ أختتم اليوم دوري، لكنني أتعهد بمواصلة العمل ما دمت قادراً من أجل أمن شعب إسرائيل ودولة إسرائيل”، حيث سيعيَّن منسقاً للتواصل مع الدروز في الشرق الأوسط، وتحديداً في سوريا ولبنان، تحت قيادة المنطقة الشمالية.
غسان عليان درزي عربي الأصل، وُلد سنة 1972 في مدينة شِفا عمرو بمنطقة الجليل الأسفل في شمال فلسطين المحتلة، التحق بجيش الاحتلال الإسرائيلي سنة 1990 حيث ارتقى في صفوفه ليصبح أعلى ضابط درزي في الجيش وأطلق عليه لقب “المنسق”. وعلى مر السنوات، أثبت ولاءً وكفاءة في خدمة كيان الاحتلال خلال عدة حروب خاضها على ثلاث جبهات: في الضفة الغربية حين قاد عملية جيش الاحتلال ضد فصائل المقاومة في جنين عام 2002، وفي الجبهة الشمالية حين شارك في حرب تموز 2006 على لبنان، فضلاً عن الحروب اللاحقة على قطاع غزة وصولاً إلى معركة طوفان الأقصى.
ومنذ العام 2013، قاد غسان عليان لواء جولاني النخبوي التابع لقيادة المنطقة الشمالية، ليكون أول ضابط غير يهودي يشغل هذا المنصب. وخلال “معركة العصف المأكول“ عام 2014، والتي أسماها جيش الاحتلال “عملية الجرف الصامد”، فقد لواء جولاني الكثير من الجنود والضباط خلال مواجهات مع المقاومة في حي الشجاعية بقطاع غزة، وأصيب عليان في تلك المعارك حينها بجروح بالغة نُقل على إثرها إلى المستشفى.
من هندسة الحصار إلى التوسع الإقليمي
تسلم اللواء عليان رئاسة وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (كوغات) سنة 2021، وهي وحدة تتبع لوزارة الدفاع الإسرائيلية تتولى الإشراف على الشؤون المدنية في قطاع غزة والضفة الغربية، وأضيفت إليها مهام الجنوب السوري مؤخراً.
وخلال الحرب الأخيرة على غزة، أشرف عليان على الحصار المفروض على القطاع واعتُبر أحد مهندسيه، فاستخدم التجويع سلاحاً واستهدف البنى التحتية المدنية بما في ذلك المستشفيات. ووفقاً للدعوى التي تقدمت بها مؤسسة “هند رجب” إلى المحكمة الدولية في لاهاي، فإن الجرائم التي ارتكبها عليان تصنف كإبادة جماعية وجرائم حرب ضد الإنسانية.
تعزيز تدخلات الاحتلال في الإقليم
استُحدث منصب “منسق التواصل مع الدروز في الشرق الأوسط” مؤخراً على وقع المتغيرات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوسع النفوذ الإسرائيلي فيها سواء عبر شبكة الحلفاء الإقليميين أو تصاعد النشاط الميداني في المنطقة. ويتبع المنصب لقيادة المنطقة الشمالية المشرفة على جبهتي لبنان وسوريا، كما يعمل بالتنسيق مع جهازي الموساد والشاباك، وستتركز مهامه حول إدارة العلاقة مع دروز لبنان وسوريا في إشارة إلى قراءة مشتركة للساحتين اللبنانية والسورية وطبيعة العمل فيهما.
فمنذ يوليو 2025، تدخل جيش الاحتلال الإسرائيلي بقوة لمنع القوات الحكومية السورية من دخول محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وعمل منذ ذلك الوقت على تكريس حماية ودعم للفصائل الدرزية هناك تحت شعار “حماية الأقليات”، ضمن مشروع تكريس الواقع الانفصالي في “اليوم التالي لسوريا”.
وعلى مر الأشهر الماضية، تواصلت الإمدادات الإسرائيلية إلى السويداء جواً، وكشفت صحيفة واشنطن بوست أن الكيان يدفع من 100 إلى 200 دولار لنحو 3000 مقاتل من الميليشيات الدرزية هناك، وتخرج حتى الآن مظاهرات دورية ترفع أعلام إسرائيل وصور رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع مطالب صريحة بالانفصال.
أما في لبنان، فتأخذ دعوات التطبيع مع الاحتلال منحى تصاعدياً مصحوباً بتنازلات لبنانية رسمية تمثلت بمشاركة وفد مدني لبناني برئاسة السفير السابق سيمون كرم، بتكليف من رئاسة الجمهورية، في مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي.
دلالات التوقيت
يأتي تعيين عليان في منصبه الجديد في توقيت لافت، حيث يتزامن مع تحول مركزي في المشهد السوري. فمنذ ديسمبر 2025، استطاعت قوات الحكومة السورية السيطرة على معظم الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ودخلت قوات الأمن السوري محافظة الحسكة ضمن اتفاق أنهى مسيرة الإدارة الذاتية الكردية لشمال شرق سوريا، ما وجه ضربة لمشروع إضعاف وتقسيم سوريا الذي يدعمه الكيان الإسرائيلي.
وبينما قُرئ الموقف الإسرائيلي البارد تجاه أحداث السويداء كتخلٍ إسرائيلي عن أوراق الضغط في سوريا، جاء الرد من خلال رسالة غير مباشرة من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو. حيث نشر في 2 فبراير 2026، أي قبيل تعيين عليان في منصبه الجديد، عبر حسابه على منصة X مقطعاً مصوراًلمظاهرة لدروز السويداء رُفعت فيها صورته، وعلق بأن “الدعم الذي قدمه الدروز في سوريا محل تقدير كبير”، وأن “إسرائيل تقف إلى جانب الطائفة الدرزية وستواصل القيام بذلك”.
تحمل كلمات نتنياهو واستحداث منصب منسق شؤون الدروز دلالات مهمة تجاه الإقليم: فهي تؤكد على تمسك كيان الاحتلال بورقة دروز السويداء كعامل ضغط وتوتير في المشهد السوري، لإضعاف الحكومة السورية ووضعها تحت عوامل إكراه عنوانها التقسيم. كما يشير ذلك إلى أن ضعف الموقف الإسرائيلي تجاه ما حصل في شمال شرق سوريا لا ينطبق على ملف السويداء، حيث إن المحافظة قريبة جغرافياً من الجولان المحتل وتحظى ببعد طائفي قومي يشجع دروز جيش الاحتلال على التعامل معها كشأن ذي صلة لا مجرد استغلا وظيفي.
إلى جانب ذلك، أشار المسمى الوظيفي لمنصب عليان الجديد إلى (الشرق الأوسط)، في إشارة واضحة إلى المشروع الاستراتيجي الكبير الذي ترسم حكومة الاحتلال ملامحه في المنطقة من خلال دعم كيانات انفصالية وشن ضربات جوية وعمليات استخبارية.
أما رصيد خدمة اللواء عليان في جيش الاحتلال فيشير إلى الثقة التي توليها المؤسسة الأمنية والعسكرية والسياسية له، ما يعكس أهمية الدور الذي سيلعبه من خلال منصبه الجديد في المرحلة المقبلة التي تركز فيها حكومة الاحتلال على خوض حروب في الخارج تحت عنوان الأمن الاستباقي وتوسيع المناطق العازلة لا مجرد الردع فحسب.
وفي المحصلة، سيكون لغسان عليان دور ملاحظ في تنسيق تحالفات الكيان الإسرائيلي الوظيفية مع الأقليات في لبنان وسوريا، هدفها تنظيم سياسات الدعم وتنسيق التحركات في ظل أطر تفاوضية ضاغطة مع لبنان وسوريا.