يستعرض هذا التقرير معطيات أولية تهدف إلى فهم مسار العلاقة بين روسيا والحكومة السورية الجديدة، ورصد المراحل التي مرت بها هذه العلاقة حتى لحظة تشكلها الراهن.
تمتد العلاقات بين موسكو ودمشق إلى ما قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، فهي علاقات قديمة وراسخة استمرت لأكثر من سبعين عامًا. غير أنّ العقد الأخير من حكم بشار الأسد شهد مسارًا تصاعديًا غير مسبوق، بلغ ذروته مع التدخل العسكري الروسي، والانعزال الدولي الذي فُرض على سوريا. عندها تحولت روسيا إلى الحليف الأكبر للنظام السوري، ومصدر بقائه الأساسي، إذ وفرت له السلاح والقمح وماكينات الإنتاج، وأمسكت بزمام الاقتصاد، وسيطرت على النفط والغاز والفوسفات والأسمدة، فضلًا عن وضع ميناء طرطوس البحري تحت إدارتها وفق عقود طويلة الأمد تصل إلى 49 عامًا، لا تتجاوز حصة سوريا منها 35% من العوائد.
ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن روسيا لعبت دورًا حاسمًا في سقوط نظام الأسد، إذ امتنعت عن الدفاع عنه أو تقديم الدعم الحاسم له بعدما أقنعها الأتراك بضمان حدّ أدنى من مصالحها الاستراتيجية في سوريا في حال سقوطه، في وقت كانت موسكو بحاجة إلى إعادة نشر قواتها في حرب أوكرانيا. وجاء هذا الموقف بينما كان النظام في أضعف حالاته بعد تقليص حجم الجيش وحل الميليشيات المساندة له، وتراجع النفوذ الإيراني بسبب ضربات إسرائيلية متكررة، وخسائر سياسية وعسكرية لحزب الله في لبنان.
ومهما يكن، فقد سارعت موسكو إلى فتح السفارة السورية على أراضيها ورفع العلم الجديد بعد سقوط الأسد. كما بدأت وسائل الإعلام الروسية الرسمية في توصيف الحكام الجدد باعتبارهم “معارضة مسلحة” بدلاً من وصفهم السابق بـ“الإرهابيين”. وتشير مصادر متعددة إلى أن الروس كانوا على اتصال مسبق بهيئة تحرير الشام، التي تعهدت بضمان أمن القواعد العسكرية والبعثات الدبلوماسية الروسية في سوريا.
وعقب الإطاحة بالأسد، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن القاعدة الجوية الروسية في حميميم، التي كانت تُستخدم سابقًا لقصف مواقع المتمردين، ستُسخّر الآن لتقديم المساعدات الإنسانية. كما شدد على أن انهيار النظام السوري لا يعدّ هزيمة لروسيا، بل إن تدخلها في الحرب الأهلية كان – بحسب قوله – يهدف أساسًا إلى منع قيام جيب إرهابي في سوريا. وأكد في الوقت نفسه رفضه الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي السورية.
وفيما يلي استقراء للموقف الروسي من خلال تتبع المنصات الرسمية بعد 8 ديسمبر 2024 ووفقا للترتيب الزمني:
يتضح من الرصد السابق أن القنوات الروسية الرسمية اعتمدت خطابًا حذرًا وعمليًا، فطرحت عروضًا علنية للتعاون والاستقرار، لكنها تجنبت الالتزام المباشر تجاه قضايا حساسة مثل مطلب تسليم الأسد. ويمثل امتناع دميتري بيسكوف عن التعليق مثالًا على النهج الروسي المألوف في تجنّب التصعيد.
وركزت موسكو على تثبيت أصولها الاستراتيجية في سوريا، وفي مقدمتها قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية، إضافة إلى تأمين الغطاء القانوني لعقود القواعد والمشاريع الاستثمارية، مع السعي لترسيخ موقعها كشريك في إعادة الإعمار وضمان الاستقرار. ومن حيث المصداقية، تبقى البيانات الصحفية الصادرة عن الكرملين بشأن الاتصالات الهاتفية أو الرسائل، وكذلك تصريحات وزارة الخارجية، أهم السجلات الرسمية المعتمدة التي تُستشهد بها كمصادر حكومية.
ورغم التغييرات العميقة التي شهدتها سوريا، ما زالت القوات الروسية متمركزة في مواقع استراتيجية أساسية مثل قاعدة حميميم ومطار القامشلي. كما تتابع موسكو عن كثب ملفات استثمارية واقتصادية تخصها، بعضها أمام القضاء المختص، ما يعكس التزامًا روسيًا واضحًا بحماية مصالحها أكثر من أي شيء آخر.
وفيما يلي استعراض للتصريحات الرسمية والصحفية الصادرة عن الإدارة السورية الجديدة، وفق الترتيب الزمني:
ونستطيع من خلال التصريحات السابقة أن نرصد تطور العلاقات الثنائية بين موسكو ودمشق على النحو التالي:
الصدمة وعدم اليقين (ديسمبر 2024 – يناير): في هذه المرحلة تكيفت روسيا تدريجيًا مع سقوط الأسد، واكتفت بتصريحات رسمية محدودة، مع تحريك جزئي لقواتها ومعداتها العسكرية.
الاتصال الأولي واحتواء الأضرار (يناير – مارس 2025): بدأت موسكو إرسال وفود (بوغدانوف وآخرون)، وأطلق الكرملين أولى قنوات التواصل الرسمية عبر مكالمات هاتفية ورسائل، وفق بيانات الكرملين ووزارة الخارجية الروسية.
التفاوض على القواعد والشروط (مارس – يونيو 2025): تكثفت المحادثات حول مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس، والشروط القانونية الناظمة لهما، إضافة إلى ملف التعويضات والضمانات. وقد وثّقت تقارير وكالات كـ”رويترز” و”فرانس 24″ تفاصيل نقاط الخلاف.
التسوية البراغماتية والتطبيع الجزئي (يونيو – يوليو 2025): شهدت هذه المرحلة اجتماعات رفيعة المستوى، شملت زيارات وزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو، ومكالمات ورسائل متبادلة بين بوتين والقيادة السورية. وأظهرت موسكو استعدادًا للتعاون العملي مع حرصها على حماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
التكيف والتدافع (مستمر): تستمر عملية التكيف المتبادل، مع انخراط سوريا الجديد في شراكات أوسع مع الخليج والغرب وتركيا، ما أدى إلى تراجع نسبي في نفوذ روسيا. وقد اعتمدت دمشق على أدوات قانونية لتفكيك السيطرة الروسية على الأصول الاقتصادية والاستراتيجية، فقررت إلغاء عقد استثمار ميناء طرطوس بسبب إخلال الشركة الروسية بالتزاماتها، ولأن العقد كان مجحفًا بحق السيادة السورية. استندت دمشق في ذلك إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1980، ما منحها غطاءً قانونيًا وفنيًا بعيدًا عن الاستفزاز السياسي. وتخطط الإدارة السورية لتطبيق هذا النهج على جميع الاتفاقيات التي وقّعها نظام الأسد مع روسيا، خصوصًا وأن موسكو كانت قد بسطت نفوذها الاقتصادي عبر شركات خاصة استحوذت على أصول استراتيجية.
هذا التوجه أضعف الموقف التفاوضي الروسي، إذ باتت موسكو تسعى للحفاظ على زخم التفاوض لضمان بقاء قواعدها العسكرية على الساحل السوري، التي تمنحها نفوذًا يتجاوز المتوسط إلى أفريقيا. ووفق تقارير متداولة، فإن إلغاء عقد ميناء طرطوس جاء استجابة لشروط أوروبية لرفع العقوبات عن سوريا بعد سقوط الأسد. كما أفادت مصادر غير رسمية أن روسيا قد تنسحب من طرطوس، حيث جرى نقل بعض السفن الحربية إلى مواقع غير معلومة. ونقلت وسائل إعلام أوكرانية أن موسكو بدأت في جمع معدات عسكرية ثقيلة من طرطوس في يناير، في حين منعت السلطات السورية دخول سفينة شحن روسية إلى الميناء.
ويرى خبراء أن صور الأقمار الصناعية الأخيرة لقاعدتي حميميم وطرطوس تكشف عن مؤشرات استعداد روسي للانسحاب. وفي موازاة ذلك، كانت لدى موسكو خطط بديلة لإنشاء قاعدة في بورتسودان على البحر الأحمر، أو استخدام طبرق في ليبيا مقابل دعمها لحفتر بالأسلحة والتدريب ونشر المرتزقة. ومع ذلك، فإن أي بديل في ليبيا أو الجزائر سيحتاج إلى سنوات لتوفير البنية والخدمات اللوجستية اللازمة. ومن ثمّ تبقى خسارة طرطوس أو حميميم بمثابة انتكاسة كبرى لأهداف موسكو الجيوسياسية ولقدرتها على التأثير في أفريقيا والجنوب.
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن معادلة تحالف الهيمنة قد انتهت، وأن العلاقة بين موسكو ودمشق لم تستقر بعد على صيغة نهائية، وإن كان الاتجاه الأوضح حاليًا هو إعادة التوازن. فقد أبدت روسيا مرونة أكبر في التعامل مع إدارة الشرع، بينما أدركت الأخيرة مدى حاجتها إلى استمرار الدور الروسي.
ومع ذلك، من المبكر افتراض أن موسكو – التي صنّفت هيئة تحرير الشام تنظيمًا إرهابيًا وقصفت مواقعها بكثافة – ستنتقل سريعًا إلى بناء علاقة استراتيجية وثيقة مع الإدارة الجديدة. وقد تتعامل روسيا مع سوريا الجديدة بأسلوب مشابه لتعاملها مع طالبان، بما في ذلك احتمال إزالة التصنيف الإرهابي تدريجيًا، على أن تحدد استراتيجيتها وفقًا لتطورات الداخل السوري.
إن نجاح روسيا في بناء علاقة متوازنة مع إدارة الشرع قد يفتح أمامها خيارات جديدة ويمنحها ميزة تنافسية في المنطقة. وفي المقابل، تدرك السلطة السورية الجديدة، التي رسخت علاقاتها مع دول عربية كالسعودية وقطر والإمارات، أن إعادة بناء العلاقة مع موسكو يمنحها رصيدًا إضافيًا من الشرعية الدولية. كما أن تجاهل روسيا ينطوي على مخاطرة كبرى، فهي ما زالت قوة عظمى قادرة على التأثير في موازين الإقليم إذا جرى تهميشها أو إقصاؤها من المشهد السوري.