
يمر السودان اليوم بأسوأ أزمة إنسانية في تاريخه الحديث، إذ أدّى الصراع المسلح بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع» منذ أبريل 2023 إلى كارثة غذائية غير مسبوقة. فقد أعلنت الأمم المتحدة أنّ ما يقارب نصف سكان البلاد – نحو 25 مليوناً من أصل 50 مليوناً – يواجهون مستويات حادة من الجوع. وفي دارفور والشمال وكردفان، بلغت الأزمة ذروتها مع إعلان «المجاعة» رسمياً في بعض مخيمات النازحين. وفي أغسطس من العام الجاري، أكّد مجلس مراجعة المجاعة (IPC) وقوع مجاعة مميتة في مخيمي زمزم وأبو شوك قرب الفاشر، محذراً من خطر امتدادها إلى بقية مناطق الإقليم. وتحوّل الكابوس إلى واقع ملموس عندما وثّقت اليونيسف «مزيجاً كارثياً من الصراع والتشريد وصعوبة وصول المساعدات» أدى إلى وفيات نتيجة سوء التغذية في مخيم زمزم بداخلية دارفور.
وتكشف الأرقام حجم الكارثة: ففي عام 2025 وحده يُقدّر أن 730 ألف طفل سيعانون من سوء تغذية حاد، فيما يواجه نحو 13 مليون طفل درجات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، بالتزامن مع نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه. وقد وصفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الوضع الراهن بأنه «أسوأ كارثة إنسانية في العالم»، إذ يقف 14 إقليماً على حافة المجاعة. هذه المعطيات مجتمعة تؤكد أن السودان أصبح بحكم الواقع «جحيماً على الأرض» بالنسبة للمدنيين الضعفاء، وخاصة الأطفال، في ظل إغلاق الموانئ والفيضانات الموسمية التي عقدت وصول الإغاثة وزادت من حدة المأساة.
الأبعاد التاريخية والسياق السياسي
على الرغم من أن التركيز ينصب على الكارثة الراهنة، فإن جذورها تمتد إلى عقود من الأزمات المتكررة. فقد شهدت ولايات دارفور خلال العشرين عاماً الماضية مآسي ذات أبعاد إثنية وسياسية عميقة. ففي عام 2003 أنشأ نظام البشير ميليشيات «الجنجويد» من مجموعات قبلية سودانية، بهدف تهجير وملاحقة قبائل أخرى مثل المساليت والفور. ولاحقاً جرى إعادة تسمية هذه الميليشيات لتصبح «قوات الدعم السريع»، وتوظيفها كأداة قمع حكومي. ومع الوقت تحولت هذه القوة إلى ما يشبه «دولة ظل» موازية للدولة المركزية، معتمدة على قاعدة عرقية تاريخية في دارفور وغرب السودان. كما بنت اقتصاداً مستقلاً قائماً على تجارة الذهب والتهريب وفرض الإتاوات، ما حرم خزينة الدولة من موارد حيوية.
ومن هنا يتضح أن سياسة التجويع تمثل حلقة متكررة من «العنف البنيوي» في تاريخ السودان. ففي مجاعات الثمانينات والتسعينات، استُخدم الغذاء كأداة عقابية ضد السكان. على سبيل المثال، أدّى حصار قرى أعالي النيل الأزرق في الثمانينات إلى مجاعة مدروسة، إذ أغرق المقاتلون المحاصيل وسبوا النساء بذريعة مكافحة التمرد. واليوم تتكرر المنهجية نفسها بشكل أكثر شدة، لكن في سياق حرب أهلية تديرها ميليشيات مسلحة غير منتظمة وتجار حروب.
ملامح الأزمة الحالية للمجاعة في السودان
لم تعد الأزمة الراهنة مجرد نقص في الحبوب، بل تحولت إلى تهديد مباشر لملايين الأرواح. ففي دارفور مثلاً تضاعف عدد النازحين أربع مرات، بينما يعيش من تبقى من السكان تحت حصار القتال. وفي يونيو 2025 أعلن خبراء أمميون أن أكثر من 25 مليون مدني «مهددون بالمجاعة» بسبب الحرب. وتظهر المؤشرات أن 740 ألف شخص في شمال دارفور «ينحدرون سريعاً نحو الجوع»، خاصة في المدن المحاصرة. فعلى سبيل المثال، حين فرضت قوات الدعم السريع حصاراً خانقاً على مدينة الفاشر – عاصمة شمال دارفور – منذ أبريل 2024، ارتفعت أسعار الغذاء إلى أربعة أضعاف المعدل الوطني، وأصبحت الأسواق شبه خالية. وحتى المبادرات الأهلية التي كانت توفر الطعام يومياً اضطرت إلى التوقف، لتزداد معاناة النساء والأطفال الذين بدؤوا يسيرون حفاة بأجساد منهكة من الفقر والجوع.
وفي مخيم زمزم وحده – وهو أكبر مخيمات النازحين في البلاد ويضم نحو 400 ألف شخص – أعلنت وكالات الإغاثة حالة المجاعة رسمياً بعد أن أظهرت الفحوصات أن ثلث الأطفال وأمهاتهم دخلوا مرحلة «كارثية المجاعة». وتشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن نحو نصف سكان السودان – أي حوالي 25 مليوناً – يعانون من انعدام غذائي حاد، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع أو الواقعة تحت تهديده. فالجيش يسيطر على العاصمة وبعض ولايات الشمال والشرق، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء من كردفان والجنوب. وقد تمركز القتال حول المرافق الحيوية – من طرقات ومخازن غذاء وحقول زراعية – ما أدى إلى تدمير كميات كبيرة من القمح والذرة عبر الحرق أو النهب.
وتسببت هذه الظروف في مئات الوفيات اليومية، بينما تجاوز عدد ضحايا المجاعة آلاف الأشخاص حتى منتصف 2025 بحسب البيانات الرسمية. ومع دخول فصل الجفاف في الصيف، ازداد خطر اتساع رقعة المجاعة لتشمل مناطق خارج دارفور، ووصلت إلى أجزاء من الخرطوم وجبال النوبة المحاصرة وجنوب كردفان، حيث أعلنت الحركة الشعبية–شمال بدورها حالة المجاعة رسمياً.
توظيف ميليشيا «الدعم السريع» للمجاعة كسلاح حرب
في قلب هذه المأساة تبرز ميليشيا «الدعم السريع» بوصفها الفاعل الأبرز في استراتيجية التجويع. فإلى جانب أدوارها العسكرية المباشرة، توظّف الميليشيا أزمات الغذاء لتعزيز نفوذها. إذ فرضت حصارات خانقة على مدن ومخيمات رئيسية، خاصة الفاشر وزمزم، بهدف إنهاك السكان وكسر مقاومتهم. ووفق شهادة محمد الدودا، المتحدث باسم مخيم زمزم، فإن «حصار الفاشر… لا شيء يدخل، لا مساعدات إنسانية ولا بضائع»، وهو ما يعكس سيطرة الدعم السريع المطلقة على الغذاء الواصل للمنطقة.
وزادت الميليشيا من هجماتها على مخيمات النازحين حول الفاشر، مثل زمزم وأبو شوك، بزعم «تحريرها». ففي أبريل 2025 شنت غارات برية وجوية مدمرة على هذه المخيمات، ثم أعلنت بعد يومين أنها نشرت «وحدات عسكرية لتأمين المدنيين والعاملين الإنسانيين في زمزم… بعد تحرير المخيم من قبضة الجيش». لكن المراقبين يرون في هذه العملية مجرد دعاية، إذ أسفرت عن مقتل مئات المدنيين، بينهم أطفال وعاملون إنسانيون، إلى جانب عمليات نهب منظمة لمخزونات الغذاء والدواء، في مشهد يكرر أنماط العنف السابقة.
بالتوازي، فرضت قوات الدعم السريع سيطرتها الإدارية على عمل المنظمات الإنسانية في مناطقها. فألزمتها بتوقيع عقود تشغيل تحت إشرافها المباشر، وفرضت رسوماً وضرائب على المساعدات، كما أجبرت على توظيف عناصر محلية موالية لها. وهددت عمال الإغاثة بالملاحقات إن اعترضوا على هذه القيود، في إطار سعيها لاستخدام الجوع كمورد مالي لتمويل عملياتها. ويصف المراقبون الميليشيا بأنها «آلة نهب» (looting machine) حوّلت الصراع إلى مصدر للربح. وقد أشار الباحث أليكس دي وال إلى أنّ الدعم السريع بات يمنح مقاتليه «رخص نهب»، على غرار تكتيكات الغزوات التقليدية لكسر مقاومة السكان. وتكشف هذه الممارسات أن الميليشيا تتعمد السيطرة على الحياة والموت عبر توظيف الجوع كسلاح إخضاع.
الندوب الاجتماعية وتآكل التماسك المجتمعي
لا تقتصر آثار المجاعة على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي السوداني برمته. ففي علم الاجتماع السياسي يُصنّف نقص الغذاء بوصفه شكلاً من أشكال «العنف البنيوي» الذي يقوّض الثقة بين الأفراد ويغذي الأحقاد. ومع فقدان الأسر لمصادر رزقها، تتنامى النزاعات على الموارد الشحيحة، ويتآكل رأس المال الاجتماعي الضروري للتعايش. وقد حذّر مراقبون من أنّ السودان ينزلق نحو حالة ندرة تؤجج العنف وتكرّس سياسات التفرقة على الأرض. ويظهر ذلك في اتساع رقعة التوترات الإثنية بين «العرب» والقبائل غير العربية، حيث تبادل الطرفان الاتهامات وتحميل المسؤوليات.
وتظهر شهادات النازحين مدى تفكك النسيج المدني: فقد صرّحت نضال أسامة – وهي من الخرطوم – بأن الدعم السريع «يحبون القتال والنهب والتدمير. إنها انتقام»، وهو خطاب يحاكي سرديات الانتقام الإثني القديمة. ونتيجة لذلك، باتت المجتمعات المحلية تعيش في خوف دائم من بعضها بعضاً، فيما انهارت مؤسسات التعاون الأهلي مثل المطابخ الجماعية والأسواق الشعبية.
وتتفاقم المأساة بالصدمة النفسية الجماعية. فقد روى لاجئون مشاهد عنف وإبادة طالت ذويهم – حيث قُتل مئات من المساليت في إرداماتا مؤخراً – ما يغرس لدى الأجيال القادمة مشاعر ثأر وعداء يصعب محوها. ويُنظر إلى هذه التداعيات على أنها ندوب اجتماعية دائمة؛ إذ من المرجح أن تزرع عمليات التجويع المنهجي مشاعر حقد طويلة الأمد، وتبقي العلاقات الإثنية محكومة بالتصعيد والعداء ما لم تتوقف الحرب.
كما يتقاطع الجوع العميق مع تحولات سياسية وجغرافية تهدد وحدة السودان. فسيطرة الدعم السريع على دارفور قد تفتح الباب لانقسام فعلي بين مناطق يهيمن عليها الجيش وأخرى تسيطر عليها الميليشيا، بما يعيد إحياء مخاطر التفكك وإعادة التمركز الإثني. ولا شك أنّ جيل الشباب في دارفور وشمال السودان، الذين نشأوا في ظل الحرب والمجاعة، سيواجهون تحديات هائلة في إعادة بناء اقتصاداتهم ومجتمعاتهم، بعدما تعرضوا لنمط «الساطور» الاجتماعي الذي يعمّق الانقسام ويمسّ حتى أسس الهوية الوطنية في المستقبل.
ختامًا، تتجاوز الأزمة السودانية كونها مأساة إنسانية لتتحول إلى تهديد إقليمي مباشر. فإعاقة المساعدات عمدًا يرقى إلى «جريمة حرب» و«جريمة ضد الإنسانية»، بينما يحذر خبراء الأمم المتحدة من أن الدول الداعمة للمليشيا، مثل أبوظبي، شريكة في هذه الجرائم. وإذا تُرك 25 مليون مدني لمصير المجاعة، فإن تداعيات الانهيار لن تقف عند حدود السودان بل ستمتد إلى حوض النيل والقرن الأفريقي ودول الخليج عبر موجات اللجوء والفوضى. ومن ثم، فإن المجاعة الراهنة ليست عرضًا جانبيًا للحرب بل أداة مركزية في إدارة الصراع، وجريمة تستهدف الحاضر وتطبع مستقبل السودان بذاكرة من الجوع والعنف قد تمتد عقودًا.