الكونغو، رواندا، وسلام الدوحة: لماذا الوساطة القطرية هي التحول الأكبر في الحرب منذ 50 عامًا؟

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
11/16/2025
شارك المقالة

 

شهدت منطقة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عقود صراعًا دمويًا معقدًا أسفر عن مقتل الآلاف وتشريد ملايين المدنيين. وقد اكتسب هذا النزاع بُعدًا إقليميًا واسعًا، بعدما اتُّهمت رواندا بدعم جماعة متمردة تُعرف بحركة “23 مارس”. وأسفرت جولات العنف المتتالية بين مختلف الأطراف عن سقوط آلاف الضحايا ونزوح مئات الآلاف خلال عام 2025 وحده، الأمر الذي عزز المخاوف من انزلاق الأزمة إلى حرب إقليمية شاملة.

أمام هذه التطورات الخطيرة، برزت مطلع عام 2025 جهود دبلوماسية مكثفة قادتها دولة قطر بالتنسيق مع الولايات المتحدة لوقف النزاع. وأسفرت هذه الوساطة عن توقيع اتفاق سلام تاريخي بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في يونيو 2025، أعقبه توقيع إطار اتفاق سلام شامل بين حكومة الكونغو وحركة 23 مارس في الدوحة خلال نوفمبر 2025. وفي حفل التوقيع الذي جرى يوم 15 نوفمبر بالتحديد، عُدّت الاتفاقية فرصة نادرة لإنهاء حرب طويلة الأمد، وربما نقطة تحول نحو الاستقرار في منطقة البحيرات العظمى. ويقدم هذا النص عرضًا لأحدث التطورات السياسية والأمنية في شرق الكونغو منذ بدء الوساطة القطرية، وواقع تنفيذ بنود الاتفاق، وأبرز العقبات التي تواجه تحقيق سلام دائم، إضافة إلى فرص إنهاء الحرب.

التطورات التي أدت إلى الانخراط القطري

تجدّد هجوم حركة 23 مارس أواخر عام 2024 بوتيرة غير مسبوقة، ونجح المتمردون في بسط نفوذهم على أكبر مساحة تاريخية لهم في شمال وجنوب كيفو، وتمكنوا من السيطرة على مدينة غوما، كبرى مدن شرق الكونغو، في يناير 2025. وردًا على ذلك، قطعت حكومة الكونغو علاقاتها الدبلوماسية مع رواندا، متهمةً كيغالي بالتدخل المباشر ودعم المتمردين، ووصفت هذا الدعم بأنه “إعلان حرب”.

أدت هذه التطورات الميدانية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في شرق الكونغو، حيث تسبب النزاع المتصاعد في مقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف خلال عام 2025 وحده، لتصبح المنطقة إحدى أسوأ بؤر الكوارث الإنسانية عالميًا وفقًا للأمم المتحدة. ورغم انخراط المجتمع الدولي في مسارات تفاوضية متعددة، استمرت أعمال العنف المتفرقة التي تنفذها جماعات مسلحة أخرى خارج أي إطار للهدنة. وعكست هذه الوقائع مدى تعقيد المشهد الأمني وخطورة الموقف، مما رفع الحاجة إلى تحرك دبلوماسي حاسم لوقف دوامة الحرب.

الوساطة القطرية ومسار اتفاق السلام

شكّل دخول قطر على خط الأزمة تطورًا مفصليًا في جهود الحل. وبصفتها طرفًا محايدًا يمتلك علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، استفادت الدوحة من خبراتها المتراكمة في فض النزاعات لتطرح نفسها وسيطًا قادرًا على اختراق حالة الجمود. وقد استضافت قطر قبل الاتفاق جولات غير رسمية بين ممثلي حكومة الكونغو الديمقراطية وبعض الفصائل المسلحة وعلى رأسها حركة 23 مارس، مما أسهم في بناء قدر من الثقة بعيدًا عن الضوضاء الإعلامية.

وفي 18 مارس 2025، عُقد لقاء ثلاثي مفاجئ في الدوحة جمع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالرئيس الرواندي بول كاغامي والرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي. وأسفر اللقاء عن إعلان التزام الجانبين بهدنة فورية والشروع في مفاوضات مباشرة تحت إشراف قطر والاتحاد الأفريقي. وبالتوازي، كثفت الولايات المتحدة اتصالاتها عبر مبعوثها الخاص، فاستضافت واشنطن في 24 أبريل 2025 اجتماعًا وزاريًا وُقّع خلاله “إعلان مبادئ” برعاية أمريكية، ينص على احترام سيادة كل بلد ووحدة أراضيه، ووقف دعم المجموعات المسلحة، والشروع في صياغة اتفاق سلام نهائي خلال شهرين. وقد مهّد هذا الإعلان الطريق للتفاهمات التي تلت ذلك.

وفي 27 يونيو 2025، توصلت الوساطة القطرية-الأمريكية، مدعومةً بضغوط الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، إلى توقيع اتفاق سلام نهائي في واشنطن أنهى رسميًا حالة الحرب بين الكونغو الديمقراطية ورواندا. وكان الاتفاق ثمرة إنهاك عسكري واقتصادي أصاب الطرفين وغياب أي أفق للحسم الميداني، ما خلق مناخًا ملائمًا لتسوية غير مسبوقة. وشاركت قطر بوفد رفيع في الحفل، تأكيدًا لدورها المحوري في هندسة الاتفاق، الذي عُدّ أحد أبرز نجاحاتها الدبلوماسية في أفريقيا.

بنود الاتفاق وتقدم التنفيذ

دُشّن حفل توقيع “إطار الدوحة” للسلام الشامل بين حكومة الكونغو الديمقراطية وحركة 23 مارس في العاصمة القطرية يوم 15 نوفمبر 2025، وهو تتويج لمفاوضات امتدت عدة أشهر بوساطة قطرية هدفت إلى وضع حد نهائي للقتال في شرق الكونغو. ونص إطار الدوحة على وقف الأعمال العدائية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وتنمية المناطق المتضررة، مع التزام الطرفين بالانخراط في عملية سياسية تعالج جذور النزاع وتحقق المصالحة الوطنية.

وكانت كينشاسا وحركة 23 مارس قد وقّعتا في 19 يوليو 2025 “إعلان مبادئ” في الدوحة أعطى زخمًا إضافيًا للمفاوضات، تلاه توقيع آلية لإطلاق سراح المحتجزين في 14 سبتمبر، واتفاق على آلية لمراقبة وقف إطلاق النار في 14 أكتوبر.

ويشمل اتفاق السلام الشامل ثمانية بروتوكولات تنفيذية تغطي ملفات المساعدات الإنسانية، وبسط سلطة الدولة والإصلاحات والحكم، والترتيبات الأمنية المؤقتة ونزع سلاح المتمردين وإعادة دمجهم، ومعالجة وضع الجماعات الأجنبية، وقضايا الهوية والمواطنة وعودة اللاجئين والنازحين، والإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، والعدالة والمصالحة. وقد تم توقيع اثنين من هذه البروتوكولات بالفعل (تبادل الأسرى ومراقبة الهدنة)، فيما تستمر المفاوضات التفصيلية حول البروتوكولات الستة المتبقية.

كما اتفق الطرفان على إنشاء لجنة مستقلة للمصالحة والمساءلة عن الجرائم، لتقديم توصيات بشأن التعويضات ضمن عملية عدالة انتقالية. ورغم وصف الاتفاق بأنه خطوة تاريخية، شدد الوسطاء على الحاجة إلى متابعة إقليمية ودولية حثيثة لضمان التنفيذ الكامل على الأرض.

تحديات التنفيذ وآفاق إنهاء الحرب

رغم الزخم الإيجابي الذي ولّدته اتفاقات 2025، لا تزال التحديات كبيرة. فمن ناحية، لم يشمل الاتفاق جميع الجماعات المسلحة في شرق الكونغو، وفي مقدمتها ميليشيا القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR) المناوئة لحكومة كيغالي. ويعتمد نجاح الاتفاق على انسحاب رواندا من الكونغو، وعلى قدرة كينشاسا على تفكيك ميليشيا FDLR لإزالة ذرائع التدخل الخارجي. كما يبقى دمج حركة 23 مارس في العملية السياسية خطوة ضرورية لمنع بقاء الحركة قوة مسلحة مستقلة.

ومن العقبات أيضًا غياب آليات واضحة للعدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ما أثار مخاوف من استمرار الإفلات من العقاب وإضعاف فرص المصالحة الوطنية مستقبلًا. كما أقر المبعوث الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، ببطء تنفيذ بروتوكولي تبادل الأسرى ومراقبة وقف إطلاق النار، إضافة إلى أن الانسحاب الرواندي لم يُستكمل ضمن المهلة المحددة حتى أواخر سبتمبر 2025.

وعلى الرغم من التقدم السياسي، لم يتوقف العنف تمامًا منذ اللقاء الثلاثي في الدوحة. فقد شهدت مناطق شمال وجنوب كيفو اشتباكات متقطعة بين الجيش الكونغولي وحركة 23 مارس، أبرزها معارك مايو التي اقتربت من غوما قبل أن تتراجع الحركة، إضافة إلى خروقات نفذتها جماعات غير معنية بالاتفاق مثل تحالف القوى الديمقراطية (ADF) وميليشيات كوديكو و“وازالندو”. ورغم أن هذه الخروقات كانت محدودة مقارنة بالمعارك الكبيرة السابقة، فإنها كشفت هشاشة الوضع الأمني، دون أن تقوض المسار الدبلوماسي الذي ظل يتقدم حتى توقيع اتفاقي يونيو ونوفمبر.

في المقابل، حققت الوساطة القطرية-الأمريكية مكاسب كبيرة عززت آفاق إنهاء الحرب. فقد انتزعت لأول مرة التزامًا مباشرًا من رواندا والكونغو بإنهاء حالة الحرب بينهما، ورسمت خارطة طريق لإعادة بسط سلطة الدولة في الشرق، وعودة النازحين، وتنفيذ عمليات نزع سلاح وإعادة دمج المتمردين. كما أُنشئت بموجب الاتفاق آليات مشتركة للمراقبة والتحقق والمصالحة بدعم إقليمي ودولي، بما يوفّر شبكة أمان للمتابعة ومنع العودة إلى العنف.

الخاتمة

يمكن لسلام الدوحة أن يُنهي فعليًا صفحة الصراع في شرق الكونغو، إذا أوفت الأطراف بالتزاماتها واكتملت المعالجات الجذرية للنزاع، لكن خطر تجدد العنف يبقى قائمًا ما لم تُنفذ البنود كافة وما لم تُحسم القضايا المعلقة. ومع ذلك، يظل النجاح مرهونًا بترجمة الاتفاقات إلى واقع ملموس، وبمعالجة الأسباب البنيوية للنزاع، وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

واستنادًا إلى ما سبق، يمكن القول إن هذه الاتفاقية دفعت دولة قطر إلى مرحلة أكثر تقدمًا في الإدراك الأفريقي والدولي بصفتها دولة صانعة للسلام. فبعد أزمة امتدت لما يقرب من خمسة عقود، جاء توقيع اتفاق السلام في الدوحة يوم أمس ليحظى بترحيب الاتحاد الأفريقي ومنظمات إقليمية ودول عربية وغربية عديدة، باعتباره خطوة مهمة في أزمة كان يُعتقد أن لا أحد قادر على تحقيق اختراق فيها. وقد استطاعت قطر، عبر مثابرتها وخبراتها المتراكمة في حل نزاعات معقدة — من أفغانستان بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، مرورًا بالوساطة بين واشنطن وطهران، وصولًا إلى جهود وقف الحرب في غزة — أن تحقق اختراقًا بالغ الأهمية في واحدة من أطول الأزمات الأفريقية وأكثرها تعقيدًا.

وبذلك، يسجَّل هذا الإنجاز لقطر أفريقيًا ودوليًا، فيما يبقى على الأطراف المعنية الالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق لضمان السلام المنشود، إيذانًا بفجر جديد من الأمن والاستقرار في منطقة البحيرات العظمى

شارك المقالة
مقالات مشابهة