شهر من الحرب على لبنان.. نظرة في المسارات والسيناريوهات

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
04/02/2026
شارك المقالة

لم يكن دخول حزب الله الحرب مع الاحتلال الإسرائيلي في 2 مارس 2026 مفاجئاً تماماً، فعلى مر 15 شهراً منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان من جانب واحد لتبلغ 13,275 اعتداءاً بحلول يناير 2026، ما أدى إلى مقتل أكثر من 350 لبنانياً وإصابة حوالي ألف آخرين.

جاء هجوم حزب الله في سياق استباق حملة إسرائيلية موسعة على لبنان، حيث استعد جيش الاحتلال خلال الأشهر التي سبقت الحرب لشن عملية مفاجئة ضد الحزب، تبدأ باغتيال عدد كبير من قادته واستهداف منظومة القيادة والسيطرة لديه والقضاء على قدراته الصاروخية وقوة الرضوان، قبل أن تؤجل الخطة مرتين من قبل المستوى السياسي في حكومة الاحتلال.

من جهة أخرى، قابلت الحكومة اللبنانية قرار حزب الله بحظرها جميع أنشطة الحزب العسكرية والأمنية واعتبارها غير قانونية، وطالبته بتسليم جميع أسلحته للدولة، وأعلن الجيش اللبناني في 4 مارس 2026 أنه اعتقل على حواجزه 26 لبنانياً “لحيازتهم أسلحة وذخائر”، في إشارة إلى توقيف عناصر حزب الله أثناء التحاقهم بجبهات القتال في جنوب لبنان. تزامناً مع ذلك، انسحب الجيش من أكثر من 50 موقعاً حدودياً وأعاد نشر قواته في قواعد خلفية، ما عزز سردية الحزب حول الدفاع عن لبنان وشعبه في ظل عجز الدولة عن ردع الاحتلال.

ولأن حرب إسناد غزة ومعركة “أولي البأس” أظهرتا تفوقاً إسرائيلياً في مقابل انهيار معادلة الردع التي راهن عليها حزب الله خلال السنوات الماضية، تدور تساؤلات حول إمكانية صمود الحزب وقلب المعادلة الميدانية بينه وبين الاحتلال، في ظل تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول السيطرة على كامل المنطقة الممتدة إلى نهر الليطاني.

 

الحملة الجوية و”عقيدة الضاحية”

يعتمد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الدرجة الأولى على غطاء جوي كثيف، حيث استهدف قرى وبلدات النسق الاول والثاني في جنوب لبنان تمهيداً لدخول قوات المشاة والآليات. ثم تنتقل الغارات الجوية لتستهدف المدن والبلدات في عمق الجنوب، في أقضية النبطية وصور وصيدا حيث يعتقد الاحتلال وجود مراكز العمليات والقيادة والسيطرة لحزب الله.

كما تستهدف الغارات الإسرائيلية الطرق المؤدية إلى جنوب لبنان والجسور الرابطة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تدمير 5 جسور والعمل على السيطرة على الجسور المتبقية، إلى جانب استهداف محطات الوقود لعرقلة حركة قوات حزب الله من الشمال إلى الجنوب وقطع طرق إمداده.

في العمق اللبناني وصولاً إلى العاصمة بيروت، يعتمد جيش الاحتلال سياسة “العقاب الجماعي للشيعة”، حيث أصدر في 2 مارس أوامر لإخلاء أكثر من 50 قرية في الجنوب والبقاع الشرقي، تبع ذلك في 4 مارس أمر إلى سكان الجنوب بأكمله بـ “الانتقال فوراً إلى شمال نهر الليطاني”، وصولاً إلى أمر بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت في 5 مارس والتي يسكنها أكثر من 500 ألف شخص.

تزامنت التحذيرات الإسرائيلية مع غارات عنيفة استهدفت فروع مؤسسة القرض الحسن، وإذاعة النور في بيروت، ونسف مبانٍ بأكملها، ليتجلى بوضوح اعتماد حكومة الاحتلال لـ “عقيدة الضاحية” كمبدأ لتنفيذ عقاب جماعي بحق الشيعة في لبنان.

نشأت “عقيدة الضاحية” عقب حرب يوليو عام 2006، وهي تعني استخدام القوة النارية لتدمير البنية التحتية المدنية وإحداث شرخ بين حزب الله وحاضنته الشعبية، وقد طُبقت خلال الحرب على غزة، ولذلك هدد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الضاحية الجنوبية “ستصبح قريباً مثل خان يونس”. وبينما يمر لبنان بأزمة اقتصادية منذ الانهيار المالي عام 2019، والذي صنفه البنك الدولي كأحد أكبر ثلاث أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن 19، فإن تأثير “عقيدة الضاحية” هذه المرة سيكون أبلغ في ظل الواقع الاقتصادي الهش الذي يمر به لبنان وهو ما تحاول حكومة الاحتلال استغلاله جيداً.

 

كيف استعد حزب الله؟

أعاد حزب الله ترميم قدراته العسكرية منذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، وبدا جلياً مع استئناف القتال أن وحدات الحزب منتشرة جنوب نهر الليطاني وحتى النسق الاول من القرى والبلدات الحدودية مع فلسطين المحتلة.

يظهر من خلال ذلك أن هجمات الاحتلال خلال حرب الإسناد ومعركة أولي البأس، وحتى قبيل دخول حزب الله الحرب من جديد، كانت محدودة التأثير. فرغم عمليات الاغتيال التي طالت كوادر الحزب جنوب نهر الليطاني بين نوفمبر 2024 وفبراير 2026، والتي بلغت أكثر من 250 عملية اغتيال، إلا أن نشاط الحزب الحالي عند الحافة الامامية للحدود مع فلسطين المحتلة أظهر أن وتيرة عمل الحزب تفوقت على الجهد الإسرائيلي.

فمنذ اتفاق وقف إطلاق النار، تحدثت تقارير عن دخول حوالي 100 ضابط من الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان لمساعدة الحزب في تدريب مقاتليه وإعادة التسلح وتحسين تنظيم الوحدات القتالية وفق وحدات صغير تعمل ضمن هيكل قيادة لامركزي، ما يعيدنا بالذاكرة إلى مراحل تشكل الحزب الاولى مطلع ثمانينيات القرن العشرين.

أما على مستوى التسليح، فتشير تقارير إسرائيلية إلى أن الحزب يمتلك حوالي 25 ألف صاروخ قصير أو متوسط المدى (حتى 200 كم)، وآلاف الصواريخ المضادة للدروع التي يصل بعضها إلى مدى 16 كلم ويستطيع ضرب أهداف غير مرئية، كصاروخ (ألماس 3-4) الذي يعمل بمسار قوسي غير مباشر ويحتوي قذيفة ترادفية قادرة على اختراق دروع دبابات الميركافا.

 

المواجهة البرية بين الدروع والذئاب المنفردة

منذ 3 مارس، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي توغلاً برياً في جنوب لبنان، حشد لأجله منذ 28 فبراير حوالي 20 ألف جندي احتياط، وذلك بمشاركة الفرقة 91 العاملة في القطاع الشرقي من الجنوب، والفرقة 210 العاملة على محور جبل الشيخ- مزارع شبعا، والفرقة 146 احتياط العاملة في القطاع الغربي. كما تسعى حكومة الاحتلال لاستدعاء 450 ألف جندي احتياط، وهو عدد كبير يعكس أبعاد الخطة الإسرائيلية تجاه لبنان والتي صرح وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن هدفها حتى الآن السيطرة على المنطقة الممتدة إلى نهر الليطاني، سبق ذلك تصريحات وزير المالية بيتسئليل سموتريتش بأن نهر الليطاني ينبغي أن يكون الفاصل الحدودي مع لبنان.

ميدانياً، تعمل قوات الاحتلال وفق طريقة “السيطرة على مراحل”، حيث تركز جهدها حول السيطرة على بلدة محددة قبل البدء بأخرى، ما يسمح لها بتركيز الجهد الناري والاستخباري وعدم تشتيته.

في المقابل، يعمل حزب الله وفق تكتيكات “حروب المستضعفين”، وذلك عبر نشر وحدات قتالية صغيرة لا يتجاوز عديدها 3 مقاتلين، يكمنون للقوات المتقدمة بأسلحة القنص والعبوات والقذائف المضادة للدروع. كما أدخل الحزب إلى المعركة المسيرات الانقضاضية التي تعمل بتقنية الفايبر، ما يسمح لها بالاقتراب من الأهداف متجاوزة أجهزة التشويش التي تسقطها عادة.

وحتى الآن، استطاع جيش الاحتلال إحداث خرق في النسق الأول من القرى والبلدات اللبنانية تجاه النسق الثاني والثالث، وذلك في محوري الطيبة- القنطرة- دير سريان قرب نهر الليطاني ودبل- بنت جبيل، مستفيداً من زخم النيران والتفوق الجوي الكبير. أما حزب الله فيحاول امتصاص هجمات الاحتلال وتكبيد القوات المتقدمة الخسائر ورفع كلفة الحرب من خلال استهداف عمق الأهداف الإسرائيلية بالصواريخ النوعية.

 

مسارات متوقعة للحرب

في 3 مارس، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن جيش الاحتلال يخطط منذ شهور لشن عملية ضد حزب الله تشمل توغلاً في عمق الأراضي اللبنانية، ويتفق هذا مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول احتلال المنطقة الممتدة إلى نهر الليطاني.

ولتحقيق هذا الهدف، سيكون جيش الاحتلال مضطراً لشن اجتياح بري واسع يتكبد فيه خسائر فادحة ويطيل به أمد المعركة، فضلاً عن تحول المنطقة المحتلة لاحقاً إلى حقل استنزاف للقوات الثابتة. يستحضر هذا السيناريو ذاكرة المنطقة الأمنية التي أنشأها جيش الاحتلال في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000، والتي خاض خلالها حزب الله حرب استنزاف ضد مواقع الاحتلال الثابتة، من خلال وحدات قتالية صغيرة وسريعة الحركة، تراكم النجاحات التكتيكية دون السعي إلى حسم عسكري شامل، وهو السيناريو الأمثل لمجموعات التمرد والمقاومة حول العالم.

ويستفيد الحزب الآن من الظرف الإقليمي نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة، حيث يوزع جيش الاحتلال وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الموارد بين إيران ولبنان للعمل على جبهتين في آن معاً. وعلى الصعيد الدفاعي، تظهر حوادث السقوط الأخيرة، كما في عراد وديمونا، تراجع اداء الدفاعات الجوية الإسرائيلية في ظل المواجات الصاروخية المتتابعة من إيران ولبنان، ما يشكل ضغوطاً متزايدة على حكومة الاحتلال والمجتمع الإسرائيلي.

ورغم ذلك، ستكون حكومة الاحتلال قادرة على تحريك الجبهة الداخلية للبنان، وذلك من خلال افتعال مواجهات داخلية تحت عنوان طائفي تضغط على البيئة الحاضنة للحزب وتضعها في مواجهة مع الطوائف اللبنانية الأخرى. وهذا ما يحاول جيش الاحتلال تحقيقه، سواء من خلال الضغط على الحكومة اللبنانية لتضع الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله، تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة”، أو ضرب بعض الأهداف في المناطق السنية والمسيحية لإشعال موجة رفض للنازحين الشيعة.

هذا السيناريو الأخير سيكون الأسوأ بالنسبة لحزب الله، حيث ستكون طرقات الإمداد نحو خطوط القتال مع قوات الاحتلال جنوبأً عرضة للانقطاع بفعل احتجاجات شعبية أو مواجهات طائفية. ومهما تكن التقديرات، إلا أن الحروب عادة ما تسفر عن نتائج غير متوقعة بفعل ادخار كل طرف خيارات تصعيدية قد لا تكون بحسبان الطرف الآخر، فهل لا يزال حزب الله يمتلك القدرة على مفاجأة إسرائيل وقلب المعادلة؟

شارك المقالة
مقالات مشابهة