هزائم قسد تعزز حكم الرئيس الشرع وتفرض موازين إقليمية جديدة

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
01/22/2026
شارك المقالة

مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، كان واضحاً مدى الاختلاف الاستراتيجي في نظرة كل من الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لمستقبل لبلاد، والتي تعذر الجمع بينهما رغم الوساطات الدولية المتعددة وفي طليعتها الوساطة الأمريكية. فبينما تسعى حكومة الرئيس احمد الشرع لتثبيت دولة موحدة مركزية، تمسكت قسد بالمطالبة بنظام لامركزي يسمح لها بمواصلة إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها في شمال شرق سوريا، وفق نموذج الحوكمة المتمثل في (الإدارة الذاتية شمال وشرق سوريا).

وبينما ترفع قسد شعار حقوق الكرد وسيلة لمطلب اللامركزية، تنظر دمشق إلى هذه القضية كمشروع انفصالي يعزز مسار تقسيم سوريا، مما قلص هامش التوفيق بين الموقفين إلى حده الأدنى وأوصل المفاوضات بين الجانبين إلى طريق مسدود. ولا تقتصر تداعيات القضية على المشهد السوري فحسب، بل ترتبط بمخاوف ومصالح أطراف إقليمية متعددة وفي طليعتها تركيا والاحتلال الإسرائيلي.

 

فشل المفاوضات

تعد الولايات المتحدة الداعم الأبرز لقوات سوريا الديمقراطية، وذلك تحت مظلة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واستفادت من هذه العلاقة لتكون الوسيط بين قسد والحكومة السورية تجنباً للتصعيد. في 10 مارس 2025، نجحت الوساطة الأمريكية بقيادة المبعوث الأمريكي توم باراك في التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، وقع عليه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي. نصت أهم بنود الاتفاق على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، ورفض دعوات التقسيم، على أن يطبق الاتفاق في مهلة زمنية لا تتجاوز نهاية العام 2025.

لكن قسد حاولت كسب المزيد من الوقت والحصول على مزيد من التنازلات من الحكومة السورية، خاصة مع مطالبتها بدمج قواتها ضمن وزارة الدفاع السورية ككتلة واحدة، وهو ما رفضته الحكومة واعتبرته وسيلة نحو تكريس حالة انفصالية. وفي أكتوبر 2025، وافق كبار مسؤولي قسد شفهياً على الاندماج في الجيش السوري بثلاث فرق وعدة كتائب مستقلة، لكن قسد تراجعت لاحقاً ما أشعر بانقسام في قيادتها.

خلال هذه الفترة، كانت مدينة حلب تشهد جولات قتال متفرقة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية كلما تعثرت المفاوضات، أبرزها في 22 ديسمبر 2025 والتي أدت إلى سقوط 4 قتلى و9 مصابين، ما أشعر بأن انتهاء المهلة سيتزامن مع تصعيد ميداني.

 

تجاوز عتبة التصعيد

شكلت المواجهات المتقطعة بين الجيش السوري وقسد أحداثاً تراكمية قلصت إمكانية التفاوض وعززت اتجاهات التصعيد، في منحى تراكمي تجاوز العتبة التي حرص الطرفان على عدم تجاوزها منعاً لخروج الميدان عن السيطرة. ففي 5 يناير 2026، انتهزت الحكومة السورية الفرصة لبدء هجومها بعد أن هاجمت قسد بطائرتين مسيرتين مركبات للجيش السوري في حلب، فشنت هجوماً في 6 يناير لإخراج قسد من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب.

على وقع الضغط العسكري المكثف، توصلت قسد والحكومة السورية إلى وقف إطلاق نار أولي بعد بضعة أيام من القتال، لكن بعض قيادات قسد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني في قنديل رفضوا أوامر مظلوم عبدي ولم يلتزموا بوقف إطلاق النار، فحسم الجيش السوري المعركة عسكرياً وخرج مقاتلو قسد من حلب إلى منطقة دير حافر شرقيها.

ومن دير حافر، بدأت قسد تهاجم مدينة حلب بالمسيرات الانتحارية، والتي أصاب أحدها مبنى محافظة حلب أثناء عقد المحافظ مؤتمراً صحافياً. كما استهدفت المسيرات تحركات وحواجز الجيش السوري، وقطعت قسد المياه عن مدينة حلب من محطة البابيري التي تسيطر عليها في دير حافر، فانتقلت المعركة إلى هناك في ظل حرص الحكومة السورية على تأمين المنطقة التي تعد مدخل حلب من الجهة الشرقية.

 

هكذا تراجعت قسد

حشدت قسد في دير حافر قواتها إلى جانب مجموعات من فلول النظام، وعمدت إلى نسف الجسور الواصلة إلى المنطقة لعرقلة تقدم الجيش السوري. لكن الجيش استطاع في 17 يناير 2026 دخول دير حافر والمنطقة المحيطة بها، واندفع شرقاً للسيطرة على عموم المناطق الواقعة غربي نهر الفرات. ورغم العائق المائي وتدمير الجسور الواصلة بين ضفتي النهر، استطاع الجيش السوري العبور نحو شرقي الفرات وبسط سيطرته على مدينة الشدادي وعبر نحو الرقة وصولاً إلى حقلي العمر وكونيكو للنفط والغاز بمحيط دير الزور، واستمر التقدم شمالاً إلى أن سيطر على مدينة الشدادي على أطراف محافظة الحسكة.

كان انهيار قوات سوريا الديمقراطية مفاجئاً، حيث امتلكت مقومات دفاعية كالأسلحة النوعية والأنفاق المحصنة والعديد، فضلاً عن استعانتها بمجموعات وقادة من فلول النظام السابق من أمثال علي كيالي (معراج أورال)، الذي رصدت الاستخبارات السورية مشاركته في القتال إلى جانب قسد.

لكن سير المعارك أعاد إلى الأذهان سيناريو معركة (ردع العدوان)، حيث دمجت الحكومة السورية بين الجهد السياسي والدعاية الإعلامية والتأثير الشعبي والعمل العسكري، وذلك من خلال خطوات أبرزها:

  • دحض دعاية قسد الإعلامية.
  • الإعلان عن مرسوم رئاسي يضمن حقوق الأكراد الثقافية والاجتماعية والسياسية.
  • استمالة العشائر العربية في مناطق دير الزور والرقة، والتي عملت مجموعاتها المسلحة خلف خطوط دفاع قسد.

وعلى المستوى العسكري، اتبع الجيش السوري أساليب مماثلة لتلك التي اتبعها في ردع العدوان، وذلك من خلال:

  • سرعة الحركة والتنقل
  • المحافظة على زخم الهجوم
  • محاصرة مواضع الاستعصاء وتجاوزها
  • منع مجاميع قسد من إعادة الانتشار وتثبيت خطوط دفاع جديدة.

 

تملص قسد من جديد يؤكد الانقسام في قيادتها

على وقع الانهيارات المتتالية وتراجعها سريعاً نحو الحسكة، وقع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في 18أ يناير 2026 اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع الحكومة السورية، والذي يقضي هذه المرة باندماج قسد على شكل “أفراد” في وزارة الدفاع السورية، وتسليمها كل المرافق والمؤسسات العامة للحكومة.

لكن قسد خرقت الاتفاق مرة أخرى في 19 يناير 2026، حيث استهدفت آليات تابعة لقوى الأمن السوري في بلدة أبو خشب بريف دير الزور الشمالي، وامتعن عن تسليم سجن الشدادي، والذي يضم سجناء من تنظيم داعش إلى قوات الأمن السوري ما أدى لاندلاع اشتباكات بينها وبين الجيش، وزعمت أن الاشتباكات أدت لفرار عناصر التنظيم من السجن، بينما حملتها هيئة العمليات في الجيش السوري مسؤولية ما حصل، في إشارة إلى ان قسد تحاول استخدام ملف سجناء داعش كورقة ابتزاز جديدة.

بالتوازي مع ذلك، صرحت الرئيسة المشتركة لوفد قسد التفاوضي فوزة يوسف لرووداو بأن اجتماع عبدي مع الرئيس الشرع لم يكن إيجابياً، وأعلنت أن مطالب الحكومة تفرض عليهم الاستسلام وهو خيار “غير مقبول بالنسبة لنا، وقرارنا هو المقاومة”. كما دعت قسد في بيان لها الشباب الأكراد “في سوريا ودول الجوار وأوروبا للانخراط في صفوف المقاومة”، ما ينسف الاتفاق الذي وقع عليه عبدي مع الرئيس الشرع.

بات واضحاً أن مظلوم عبدي لا يمسك بزمام قيادة قسد، وقد صرح مسؤولون أمريكيون أن قادة داخل قوات سوريا الديمقراطية غالباً ما كانوا يعرقلون الاتفاقيات مع الحكومة، وخاصة المرتبطين بحزب العمال الكردستاني. يؤكد هذا المفاوضات الأخيرة بين عبدي والرئيس الشرع والتي استمرّت 5 ساعات، فرغم أن الشرع عرض على عبدي منصب نائب وزير الدفاع وترشيح محافظ للحسكة مقابل تحييد قسد عن حزب العمال الكردستاني، فقد طلب عبدي مهلة 5 أيام للتشاور مع قادته العسكريين، لكن الشرع رفض ذلك وطلب رداً نهائياً في اليوم نفسه.

 

المشهد الحالي

يسيطر الجيش السوري الآن على المنطقة الممتدة بين نهر الفرات إلى ريف الحسكة شرقاً، وتدور المعارك على أطراف المحافظة الجنوبية من جهة مركدة والغربية من جهة رأس العين، فضلاً عن محاور منطقة عين العرب التي يحاصرها الجيش السوري.

يعكس ذلك تمسك قسد بالمناطق ذات الأغلبية الكردية ومطالبتها المستمرة باللامركزية والإدارة الذاتية، وهو ما ترفضه الحكومة السورية، بينما تراهن على خوض المعركة بين بيئتها الحاضنة في الحسكة وعين العرب في تكرار لسيناريو اتبعته في مواجهتها لتنظيم داعش سابقاً. كل ذك يشير إلى أن المسار التفاوضي لن يفضي إلى حلول مع قسد، ما يعني أن الحسم العسكري سيكون قرار الحكومة السورية إنما ستكون المواجهة أشد في المرحلة القادمة.

إقليمياً، تبدي تركيا تأييدها المطلق للحكومة السورية حيث ترى أن حسم ملف قسد سيساعد على حسم أسرع لملف حزب العمال الكردستاني في الداخل التركي، والعكس صحيح، وهو ما يمثل قضية أمن قومي بالنسبة لها. وفي المقابل، يبدي الاحتلال الإسرائيلي موقفاً حذراً من الانخراط في الصراع الحالي، بخلاف موقفه من أحداث السويداء، ما يشير إلى خشيته من الاصطدام بالسياسة الأمريكية تجاه سوريا. أما على صعيد مشروع تقسيم سوريا إلى دويلات أقلوية، فإن ما حققه الجيش السوري حتى الآن يقضي على مشروع ممر داود ويضيق الخناق على ميليشيات الهجري في السويداء ويقلص خيارات فلول النظام إلى حدها الأدنى.

أمريكياً، تفضل إدارة الرئيس ترامب حتى الآن الاعتماد على الحكومة السورية كجهة قادرة على فرض الاستقرار في سوريا، بينما تركز أكثر على منع عودة نشاط تنظيم داعش. وبالمحصلة، استطاعت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن، في 10 نوفمبر 2025، إضعاف موقف قسد وهو ما استثمره الشرع منذ ذلك الحين بطريقة جيدة.

من جانب آخر؛ يبدو الشرع بسياسته المتدرجة والهادئة، والتي تمزج بين الإبقاء على التواصل الدبلوماسي والضغط العسكري، قد استفاد من أحداث السويداء في يوليو 2025، ويبدو أيضا أن رؤية تركيا لسوريا الموحدة قد حققت انتصاراً كبيراً في مقابل مشاريع التقسيم.

شارك المقالة
مقالات مشابهة