مدخل للأزمة الراهنة
تتصاعد في القرن الأفريقي بوادر أزمة جديدة بين إثيوبيا وإريتريا، تتمحور حول ميناء عصب الاستراتيجي على البحر الأحمر. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ترى أن بقاءها بلا منفذ بحري يُهدد مستقبلها الاقتصادي والسياسي، بينما تعتبر أسمرة أي مطالبة بالميناء اعتداءً صارخًا على سيادتها. في قلب هذه المعادلة يقف عشيرة العفر، الجماعة العرقية الممتدة بين الدولتين، والتي ترى في عصب رمزًا لوحدتها التاريخية الممزقة وفرصة لإعادة التوازن لمكانتها. ومع تبادل الاتهامات بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وتدخل الحسابات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر والخليج، تبدو المنطقة على صفيح ساخن، ينذر بمواجهة قد تتجاوز حدود الميناء الصغير إلى معادلات إقليمية ودولية أوسع.
الأهمية الجيوسياسية لعصب
تبرز مدينة عصب الصغيرة على البحر الأحمر باعتبارها عقدة استراتيجية متفجرة. هذا الميناء، الذي كان يومًا مجرد منفذ محلي لسلطنات العفر، أصبح اليوم أحد أكثر النقاط حساسية في توازنات المنطقة، إذ يختصر التقاء مصالح إثيوبيا الباحثة عن منفذ بحري، وإريتريا المتمسكة بسيادتها، والعفر الذين يرون فيه رمزًا لوحدتهم التاريخية الممزقة.
لا تنبع الأهمية الجيوسياسية لعصب فقط من موقعها على البحر الأحمر، بل من كونها تقع على أحد الممرات البحرية الأكثر نشاطًا عالميًا، حيث تمر ما يقارب 12% من تجارة العالم عبر مضيق باب المندب شمالًا وخليج عدن جنوبًا. يمثل هذا الممر الحيوي شريانًا رئيسيًا لنقل النفط الخليجي إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكذلك للتجارة الصينية والهندية نحو أفريقيا. وبالتالي، فإن السيطرة على ميناء عصب تعني امتلاك ورقة ضغط استراتيجية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
من الناحية الإثيوبية، يُمثّل الميناء حلًا لمعضلة جغرافية مستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود. فبعد استقلال إريتريا عام 1993، تحولت إثيوبيا إلى دولة حبيسة بلا منفذ على البحر. انعكست هذه المعضلة اقتصاديًا بشكل مباشر: ارتفعت تكاليف النقل والتجارة الخارجية، وأصبحت أديس أبابا تعتمد على ميناء جيبوتي في أكثر من 90% من تجارتها البحرية، ما وضعها في موقع هش أمام أية خلافات سياسية أو أمنية. بالنسبة لآبي أحمد، فإن استعادة منفذ على البحر الأحمر قضية “وجودية”، كما وصفها في خطاباته الأخيرة.
أما بالنسبة لإريتريا، فالميناء يُمثل جزءًا من سيادتها الوطنية التي تحققت بعد حرب طويلة ضد إثيوبيا. أي مساس به يعيد إلى الأذهان شبح التبعية القديمة، ويُهدد النظام السياسي القائم الذي يقدّم نفسه كحارس للسيادة الإريترية. لهذا جاء رد الرئيس أسياس أفورقي على تصريحات آبي أحمد قاسيًا، معتبرًا أن هذه المطالب ليست إلا “مؤامرة خارجية” هدفها زعزعة استقرار بلاده.
إلى جانب ذلك، يطرح الملف العفري بُعدًا ثالثًا معقدًا. فالعفر، الذين يتوزعون بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، يعتبرون عصب جزءًا من أرضهم التاريخية. بعض قادتهم يرون في النزاع الراهن فرصة لإعادة توحيد أراضيهم تحت مظلة إثيوبيا، فيما يحذر آخرون من أن الانزلاق إلى الحرب قد يضعهم مرة أخرى وقودًا لصراعٍ بين دولتين تتجاوز حساباتهما مصالح العفر أنفسهم.
الخلفية التاريخية.. من السلطنة العفرية إلى حرب الحدود
لفهم التوتر الراهن حول ميناء عصب، لا بدّ من استدعاء التاريخ الذي صاغ وعي الجماعة العفرية. فقد كانت عصب حتى أواخر القرن التاسع عشر خاضعة لسلطنات عفرية محلية متماسكة تمتد من دانكاليا إلى سواحل البحر الأحمر، قبل أن تدخل في المدار الاستعماري إثر صفقة عام 1869 حين باع سلطان محلي الميناء لشركة إيطالية، ليتحول لاحقًا إلى جزء من “إريتريا الإيطالية”. هذا التحول قطع الصلة بين العفر ومينائهم التاريخي، ودشّن مسار التهميش السياسي والاقتصادي. ومع سقوط الاستعمار الإيطالي وضم إريتريا إلى إثيوبيا عام 1952 عبر اتحاد فدرالي رعته الأمم المتحدة، بدا وكأن الأمور تتجه نحو وحدة جديدة، لكن الإمبراطور هيلا سيلاسي ألغى الاتحاد عام 1962، فاندلعت حرب تحرير طويلة انتهت باستقلال إريتريا في 1993. استقلالٌ احتفل به العالم بوصفه انتصارًا على الإمبريالية، لكنه بدا للعفر نكسة وجودية قسّمتهم بين ثلاث دول، (إثيوبيا، جيبوتي، إريتريا) وأخرجهم من معادلة القرار السياسي.
ازداد الوضع سوءًا مع سياسة المركزية التي انتهجها نظام أسياس أفورقي، حيث وثّقت تقارير أممية عام 2015 انتهاكات ممنهجة ضد العفر من اغتصاب وتهجير وقتل خارج القانون. ثم جاءت حرب الحدود بين إثيوبيا وإريتريا (1998–2000) لتزيد الشرخ، إذ تحولت مناطق العفر إلى ساحة قتال وعسكرة قاسية، فيما ظل الميناء تحت سيطرة إريتريا. ومنذ ذلك الحين ترسخ في الوعي العفري أن الدولة القومية الحديثة – سواء الإثيوبية أو الإريترية – ليست سوى أداة لإعادة إنتاج التهميش. ومع ذلك، بقيت عصب بالنسبة لهم رمزًا للسيادة المفقودة وورقة ضغط في معادلات البحر الأحمر، وكلما ارتفعت نبرة الصراع بين أديس أبابا وأسمرة عاد هذا الرمز ليغذي طموحات إعادة التوحيد ويثير في الوقت نفسه مخاوف الحرب.
البعد العفري.. بين التمزق والهواجس التاريخية
عشيرة، العفر جماعة رعوية ممتدة بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، لم يروا في الحدود الاستعمارية سوى خطوطًا مصطنعة مزّقت سلطَناتهم القديمة. ومع استقلال إريتريا عام 1993، تكرس شعورهم بالاغتراب، إذ وجدوا أنفسهم مقسمين بين ثلاث دول، محرومين من حق تقرير مصيرهم. ففي حين منحهم النظام الفيدرالي الإثيوبي هامشًا محدودًا من الحكم الذاتي دون تنمية حقيقية، مارس نظام أسياس أفورقي سياسة مركزية صارمة، همّشتهم سياسيًا واقتصاديًا وأخضعتهم لانتهاكات ممنهجة وثّقتها تقارير أممية عام 2015، ما دفع كثيرين منهم إلى النزوح.
في هذا السياق الذي، برز محمد غاس مؤسس جبهة الوحدة الثورية الديمقراطية للعفر (ARDUF) كأحد أبرز الأصوات القومية. فقد تنقل من قيادة التمرد ضد نظام “الدرج” إلى موقع وزير في الحكومة الإثيوبية، مجسّدًا تناقضات التجربة العفرية بين المقاومة والمشاركة. ظلّ غاس يصر على أن استقلال إريتريا كان “مغالطة” وتواطؤًا بين جبهة تحرير شعب تيغراي والنظام الإريتري على حساب العفر، الذين لم يُستشاروا ودفعوا ثمن تقسيمهم. وحين اندلعت حرب الحدود (1998–2000)، قاتلت جبهة أردوف إلى جانب إثيوبيا أملاً في استعادة ساحل دانكاليا، لكن اتفاق الجزائر أبقى عصب تحت السيطرة الإريترية.
واليوم، مع تجدد خطاب آبي أحمد حول “الحقوق التاريخية” في البحر الأحمر، عاد غاس ليحذر من أن العفر لن يقبلوا بأقل من عصب وساحل دانكاليا غنيمةً، حتى لو كان الثمن الحرب. مع ضرورة الإشارة أن الموقف العفري أيضًا منقسم: يرى فريق أنّ في دعم إثيوبيا مغامرة قد تجعلهم وقودًا لصراع جديد كما حدث في حرب تيغراي، بينما ينجذب فريق آخر نحو أسمرة كما تجلى في انشقاق السياسي العفري إبراهيم عثمان عليو احتجاجًا على تسويات أديس أبابا مع عشيرة عيسى التي هم في نزاع معهم. هذا الانقسام الداخلي يعكس هشاشة الصف العفري، ويجعلهم ورقة تنافسية تتنازعها الدولتان أكثر من كونهم فاعلًا موحدًا.
هكذا نجد أنّ البعد العفري هو نقطة ارتكاز قد تحدد مآلات الصراع. فإذا تمكنت أديس أبابا من حشد العفر خلف مشروعها، فقد تجد نفسها في موقع قوة. أما إذا واصل أسياس أفورقي استقطاب شخصيات وقوى عفرية إلى صفه، فإنّ الحرب قد تتحول إلى حرب وكالة تُقاتل فيها العفر بعضهم البعض، بينما تستخدمهم الدولتان كورقة تفاوضية.
التصعيد الراهن.. لغة الحرب وبلاغة الإنكار
إذا كان الماضي قد رسم الإطار، فإن الحاضر يضيف أبعادًا أكثر خطورة. ففي يوليو/تموز 2024، ألقى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي خطابًا هو الأشد منذ سنوات، اتهم فيه إثيوبيا بالتحضير لحرب ضد بلاده، واعتبر أن تصريحات آبي أحمد بشأن “الحق التاريخي” في ميناء عصب ليست إلا “خطة شخص مجنون” و”مؤامرة خارجية” تقودها الإمارات العربية المتحدة لزعزعة استقرار القرن الأفريقي. ما فُسّر حينها أنه كان إعلانًا صريحًا بأن العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة وصلت إلى مرحلة الانفصال الكامل بعد عقد من التقارب الهش.
فأسياس، الذي يُجيد لغة التحدي، قال بوضوح: “إريتريا لا تطمح إلى الحرب، ولكن إذا فرضت عليها، فإنها تعرف كيف تدافع عن نفسها”. في المقابل، جاء خطاب آبي أحمد في البرلمان الإثيوبي يوم 3 يوليو/تموز بلغة مزدوجة أيضًا. من جهة، أكد أن بلاده تسعى للوصول إلى البحر “سلميًا”، نافياً أي نية لخوض حرب مباشرة مع إريتريا. ومن جهة أخرى، شدد على أنّ إثيوبيا “تمتلك القدرة الكاملة على الدفاع عن نفسها” إذا تعرضت لتهديد. هذه الازدواجية – التهدئة المشروطة بالردع – هي ما يجعل الخطاب الإثيوبي محملاً بالتناقضات: فهو يطمئن الداخل القَلِق من حرب جديدة، ويُوجّه رسالة للخارج بأن إثيوبيا لن تبقى دولة حبيسة إلى الأبد.
غير أنّ أخطر ما في خطاب آبي كان حديثه عن تيغراي. فبعد أشهر من توقيع اتفاق بريتوريا (نوفمبر/تشرين الثاني 2022) الذي أنهى الحرب مع جبهة تحرير شعب تيغراي، عاد ليُحذر من احتمال اندلاع صراع جديد. قال بوضوح: “ابدأوا عملكم فورًا لمنع تيغراي من الدخول في صراع. لن يكون هناك جدوى من التحدث بعد بدء الحرب”. هذه العبارة قرأها قادة تيغراي على أنها تهديد مباشر، فردّ الجنرال هيلي سيلاسي غيرماي بأن قوات دفاع تيغراي “تستعد لأننا نسمع عن مواقف تُجبرنا على الاستعداد”. وهكذا تحولت لغة التهدئة المشروطة إلى جرس إنذار يُعيد شبح الحرب الأهلية.وسط هذا التصعيد، جاء صوت غير متوقع ليصب الزيت على النار: الرئيس الإثيوبي السابق مولاتو تيشومي، الذي كتب مقالًا في موقع قناة الجزيرة اتهم فيه أسياس أفورقي بأنه “مهووس بإشعال الحرائق”، وأنه يسعى لإبقاء إثيوبيا “تنزف حتى النسيان”. دعا مولاتو إلى ممارسة ضغط عالمي على أسياس، معتبرًا أنه “لا ينجذب إلى الصراع فحسب، بل يزدهر فيه”. وبدا المقال وكأنه رسالة بالوكالة عن دوائر نافذة في أديس أبابا، أرادت تحميل أسمرة مسؤولية الانزلاق نحو مواجهة جديدة.
لم يتأخر الرد الإريتري. فقد أصدر وزير الإعلام يماني جبرميسكيل بيانًا مطولًا وصف فيه مقال مولاتو بأنه “اتهام سخيف وجريء” يهدف إلى “جعل إريتريا كبش فداء”. وأكد أن بلاده لا تتدخل في الشؤون الداخلية لإثيوبيا، متهمًا الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا بأنها تخوض “حملة مكثفة وغير مقبولة” لتبرير أطماعها في الموانئ الإريترية. هذه الحرب الكلامية عكست تفكك لغة الدبلوماسية بين الطرفين، إذ لم تعد التصريحات تُدار في قنوات خلفية أو بلغة التلميح، بل باتت تُنشر في وسائل الإعلام العالمية والبيانات الرسمية على نحوٍ مباشر وصدامي.
اللافت أن هذا السجال لم يقتصر على إثيوبيا وإريتريا، بل تخلله حديث عن أطراف خارجية. أسياس اتهم الإمارات مباشرة بالضلوع في “المؤامرة”، بينما ألمح محللون إثيوبيون إلى أن أسياس يحاول استمالة المملكة العربية السعودية عبر انتقاداته العلنية لأبوظبي. هذا البُعد الإقليمي كشف أن الصراع حول عصب أصبح ساحة لتقاطع النفوذ الخليجي في البحر الأحمر، حيث تتنافس الرياض وأبوظبي على صياغة التوازنات.
تصعيد الخطاب، إذن، يُظهر أن الأزمة دخلت مرحلة جديدة: مرحلة الحرب الكلامية المُمأسسة، حيث تتحول البيانات الرسمية إلى أدوات ردع واستقطاب في آنٍ واحد. لكن خطورة هذه المرحلة تكمن في أنها قد تُفضي إلى “خطأ في الحسابات”، حيث تتحول الكلمات إلى أفعال عسكرية على الأرض.
تشابك تيغراي والانقسام الإثيوبي
لا يمكن فصل الأزمة بين أديس أبابا وأسمرة عن ملف تيغراي، الذي ما زال يشكل عقدة في السياسة الإثيوبية. فبعد حرب مدمرة (2020–2022) خلّفت مئات الآلاف من القتلى، جاء اتفاق بريتوريا ليضع حدًا للأعمال العدائية، لكنّه أبعد إريتريا تمامًا عن الطاولة. بالنسبة لأسياس أفورقي، كان ذلك الاتفاق نكسة استراتيجية، إذ حرم بلاده من أي مكاسب سياسية رغم مشاركتها العسكرية الكثيفة. منذ تلك اللحظة، بدأ التوتر مع آبي أحمد يتصاعد تدريجيًا.
لم يكن الاتفاق موحِّدًا في الداخل التيغراوي. جزء من النخب السياسية – مثل غيتاتشو رضا – قبل بالتسوية وتحول إلى حزب التضامن الديمقراطي، مدعومًا من الحكومة الفيدرالية. في المقابل، بقيت جبهة تحرير تيغراي على خصومتها مع آبي، وبدأت إشارات تقارب مع أسمرة، ولو بشكل غير معلن. وتصريحات الجنرال هيلي سيلاسي ألمحت إلى هذا حين قال: “من كانوا أعداءً في الماضي سيكونون حلفاء إن أمكن”.
لم يتوقف الانقسام هنا؛ فحتى القوات المسلحة في تيغراي شهدت انشقاقات. حيث أعلنت مجموعة من القادة العسكريين تشكيل قوات سلام تيغراي، بدعم ضمني من غيتاتشو وأديس أبابا، بهدف إزاحة القيادة التقليدية للجبهة. هذا يعني أن الإقليم اليوم بات ساحة مزدوجة للاستقطاب: جناح يميل إلى إثيوبيا، وآخر يبحث عن تحالف مع إريتريا. يجعل هذا التشابك من تيغراي عامل ترجيح في الصراع المقبل. فإذا ما انحازت كليًا إلى أسمرة، ستجد أديس أبابا نفسها أمام جبهة مفتوحة من الشمال والشرق، ما يعزز احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. أما إذا تمكن آبي أحمد من كسب ولاء جزء من التيغراويين، فسيُحوّل المعادلة إلى صراع إريتري–إثيوبي معزول، وهو ما يفضّله في رأيي الشخصي.
وتعكس الرسائل المتبادلة هذه الهشاشة. ففي رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة (يونيو 2024)، اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا وجبهة تحرير تيغراي بالتخطيط لـ”هجوم كبير خلال موسم الأمطار”. بعد أيام، ردّ قادة تيغراي بالتحذير من “تحالف غير مقدس” بين أسمرة والجبهة، بينما وصف مولاتو تيشومي هذا الاحتمال بأنه “إشعال متعمد لنيران الحرب”.
البعد الإقليمي والدولي وسيناريوهات المستقبل
لا يمكن قراءة الأزمة حول عصب بمعزل عن البحر الأحمر، الذي أصبح في السنوات الأخيرة أحد أكثر الممرات البحرية تنافسًا بين القوى الإقليمية والدولية. بالنسبة إلى دول الخليج، يشكّل البحر الأحمر امتدادًا لأمنها القومي: فقد بنت الإمارات قواعد عسكرية في عصب نفسها خلال حرب اليمن، وتنظر السعودية إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر كجدارها الاستراتيجي. لهذا لم يكن مستغربًا أن يتهم أسياس أبوظبي بالتآمر مع أديس أبابا، في محاولة لتصوير نفسه حارسًا لـ”السيادة الإريترية” في وجه تدخل خارجي.
تراقب جيبوتي بدورها الموقف بقلق. فاعتماد إثيوبيا شبه الكامل على ميناء جيبوتي جعل منها الرئة الاقتصادية لأديس أبابا. لكن أي تحوّل استراتيجي نحو عصب قد يُضعف هذا الدور ويعيد رسم الخريطة التجارية للمنطقة. ومن هنا جاء لقاء آبي أحمد برئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله، في محاولة لتبريد الصراع بين العفر وعشيرة عيسى، والحفاظ على التوازنات.
على المستوى الدولي، تراقب كل من الولايات المتحدة والصين المشهد بعين استراتيجية. فواشنطن قلقة من أي زعزعة في القرن الأفريقي، حيث يمر جزء حيوي من التجارة النفطية، بينما ترى بكين أن أي مرفأ جديد في المنطقة قد يدخل ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. ومع ذلك، فإن انشغال القوى الكبرى بحروب أوكرانيا وغزة قد يترك فراغًا، يسمح للإمارات والسعودية وتركيا بممارسة نفوذ أكبر في البحر الأحمر.
أما السيناريوهات المستقبلية فتتراوح بين ثلاثة:
لكن وفي الأحوال جميعها، يتجلى لنا جميعًا أن مدينة عصب ومينائها تحولت إلى مرآة لصراع أوسع على مستقبل القرن الأفريقي، والسؤال المهم: هل سيكون فضاءً للتعاون الإقليمي، أم حلبة لصراعات بالوكالة تحكمها الهويات الممزقة والتدخلات الخارجية؟