تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (حوالي 303 مليارات برميل تمثل 17% من الاحتياطيات العالمية)، لكنها لا تزلل تنتج أقل من 1% من النفط العالمي. وقد شهدت خلال العقد الأخير انهيارا اقتصاديا واجتماعيا شاملا: انكماش في الناتج المحلي بأكثر من 75% ما بين 2013 و2021، وفقر مدقع شمل أكثر من 95% من السكان بحلول عام 2020. كما بلغت نسبة التضخم السنوية نحو 270%، وهي الأعلى في العالم، ومن المتوقع، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، أن تصل هذه النسبة إلى 680% في عام 2026.
ورغم هذه الأرقام الفادحة التي تكفي لإسقاط حكومات ودول في سياقات أخرى؛ لا يزال نظام مادورو متماسكا. فكيف صمدت السلطة وسط هذا الخراب؟ وما حدود قدرة واشنطن على فرض تغيير في كاراكاس دون الوقوع في فخ فراغ أمني أو انفجار إقليمي؟
آليات بقاء النظام الفنزويلي
على الرغم من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق في فنزويلا، تمكن نظام مادورو من البقاء عبر تثبيت ركائز سلطة تقليدية وغير تقليدية. الركيزة الأولى هي احتكار وسائل القوة والعنف داخل الدولة. فقد حافظ مادورو على ولاء المؤسستين العسكرية والأمنية من خلال الامتيازات والتغاضي عن أنشطتهما الاقتصادية المشبوهة، ما جعل الجيش ضامنا أساسيا لبقاء النظام. وقد قوبل أي احتجاج شعبي واسع بقمع حازم، فيما أُجهضت أي بوادر تمرد داخل القوات المسلحة عبر عمليات تطهير أو اعتقالات سريعة. في مثل هذه البنية، يُعد احتكار العنف الشرعي (أو غير الشرعي) ضامنا لاستمرار الحكم، وقد أتقن نظام مادورو هذا الاحتكار.
الركيزة الثانية تتمثل في إدارة ما تبقى من الريع النفطي لتأمين ولاءات النخب ومجموعات المصالح، حتى مع تضاؤل عائدات النفط. فعلى مدى العقد الماضي، تهاوى إنتاج فنزويلا النفطي من نحو 2.4 مليون برميل يوميا عام 2013 إلى 742 ألف برميل يوميا فقط عام 2023، أي بانخفاض يقارب 70% عن مستويات ما قبل الأزمة. هذا التراجع الحاد حوّل الاقتصاد الفنزويلي إلى «اقتصاد ظل» يعتمد على التهريب والأنشطة غير الرسمية وتجارة الذهب والمخدرات لسد الفجوة. ورغم ذلك، ظل النفط والموارد الطبيعية شريانا لشراء الولاءات. فقد استخدم النظام شركة النفط الوطنية (PDVSA) كمصدر تمويل رئيسي للدولة ولمشاريعه الاجتماعية والسياسية، وإن كان ذلك عبر تخفيضات مجحفة للاستثمار واستنزاف مالي واسع. وللمفارقة، حتى بعد كل هذا الانهيار، لا تزال صادرات النفط والفوائد الريعية قائمة وإن تقلصت؛ إذ صدّرت فنزويلا في عام 2024 نحو 805,500 برميل نفط يوميا، وحققت 17.52 مليار دولار من العائدات. ورغم أن هذه الأرقام أقل بكثير من عصر الازدهار، فإنها تكفي لإبقاء شبكة المصالح الأساسية على قيد الحياة.
أما الركيزة الثالثة فهي تكتيك تفتيت المعارضة وتحييدها. فمنذ وفاة هوغو شافيز عام 2013 وبروز تحديات سياسية جدية، اعتمد نظام مادورو مزيجا من القمع الذكي والمناورة السياسية لشق صفوف خصومه. وقد نجح في تحويل المعارضة إلى «أرخبيل متناحر من القيادات والتيارات» بدلا من جبهة موحدة. وعلى مدى سنوات، قام النظام باعتقال قيادات معارضة أو دفعهم إلى المنفى، واخترق أحزابهم عبر شراء بعض القادة وإغرائهم بالمناصب.
في المقابل، اختار ملايين الفنزويليين الهجرة بحثا عن حياة أفضل بدلا من المراهنة على صراع عقيم؛ إذ بلغ عدد المهاجرين واللاجئين الفنزويليين نحو 7.9 ملايين شخص حول العالم حتى نهاية عام 2025، بينهم ما يقارب 6.9 ملايين في دول أميركا اللاتينية المجاورة. هذا النزيف البشري الهائل خفف الضغط الداخلي على النظام، كما خلق معضلة إقليمية منحت كاراكاس ورقة تفاوض ضمنية، إذ أوحت بشكل غير مباشر بأن أي انهيار مفاجئ قد يطلق موجات لجوء أعظم تهدد استقرار الجوار.
حدود أدوات واشنطن في فرض التغيير
منذ إعلان إدارة ترامب مطلع عام 2019 عدم اعترافها بشرعية مادورو والاعتراف بخوان غوايدو رئيسا انتقاليا، أخذت واشنطن على عاتقها مهمة خنق النظام الفنزويلي اقتصاديا وعزله دبلوماسيا أملا في انهياره أو إجباره على تقديم تنازلات جوهرية. وكانت العقوبات الاقتصادية أداتها الأثقل؛ إذ فرضت حظرا شاملا على صادرات النفط الفنزويلية إلى السوق الأميركية، وجمّدت أصول الحكومة الفنزويلية وشركة PDVSA في الخارج، وهددت بمعاقبة أي شركات أو دول تخرق هذه القيود.
أسفرت هذه السياسة عن تعميق الانهيار؛ فقد ساهمت العقوبات في تسريع هبوط إنتاج النفط إلى ما دون مليون برميل يوميا، وفاقمت عجز الحكومة عن تمويل الواردات الأساسية، ما سرّع التضخم والهجرة. غير أن هذه الضغوط القصوى لم تحقق هدفها السياسي المنشود؛ إذ لم يقدم النظام التنازلات المطلوبة، بل تحمّل الكلفة الإنسانية الباهظة ونقلها إلى كاهل المواطنين. في المقابل، وجد مادورو شرايين بديلة عبر الصين وروسيا وبعض الدول الحليفة؛ فأصبحت الصين المشتري الرئيسي للنفط الفنزويلي المهرّب بخصومات كبيرة، كما قدمت روسيا وإيران مساعدات تقنية ولوجستية لتجاوز الحظر، بما في ذلك تغيير أعلام السفن وخلط نفط فنزويلا بأنواع أخرى لإخفاء مصدره. وبهذا استطاع النظام الصمود أمام العقوبات أطول مما توقعه صانعوها.
بدت الولايات المتحدة، من جهتها، مقيدة بحدود القوة خارج الحرب. فخيار التدخل العسكري المباشر، على غرار غزو بنما عام 1989 أو العراق عام 2003، لم يكن مطروحا بجدية في فنزويلا، رغم تلميحات ترامب أحيانا. ويعود ذلك إلى الكلفة السياسية والإنسانية الباهظة لمثل هذا التدخل، فضلا عن غياب دعم أميركي لاتيني واسع له. لذلك اعتمدت واشنطن، خلال الولاية الثانية لترامب، على مزيج من الحرب الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية والاستخباراتية.
تعتقد الإدارة الأميركية أن تشديد الخناق الاقتصادي قد يؤدي إلى انقسامات داخلية في معسكر مادورو، وربما يدفع شخصيات نافذة، خصوصا في الجيش، إلى الانقلاب عليه حفاظا على مصالحها. ولتعزيز هذا المسعى، عرضت واشنطن حوافز إيجابية؛ إذ أعلنت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي عن جائزة بقيمة 50 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على مادورو. كما حاولت الاستخبارات الأميركية تجنيد طيار طائرة الرئيس الفنزويلي لمساعدة السلطات الأميركية في القبض عليه، إلا أن المحاولة فشلت.
وبعد فشل الاستراتيجيات السابقة، وتحديدا في أواخر عام 2025، عادت الولايات المتحدة إلى استراتيجية «الخنق الأقصى»، ولكن هذه المرة عبر استعراض قوة بحرية غير معتاد. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ولاية جديدة، فرض «حصار بحري تام» على فنزويلا لمنع أي ناقلة نفط خاضعة للعقوبات من الدخول أو الخروج. وخلال أيام، اعترضت وحدات خفر السواحل الأميركي ناقلتي نفط كبيرتين في المياه الدولية قرب فنزويلا، إحداهما ناقلة «سينتشوريس» التي كانت محملة بنحو 1.8 مليون برميل من خام فنزويلا الثقيل ومتجهة إلى الصين.
يكشف هذا التطور حدود وجدلية الأدوات الأميركية الحالية. فمن جهة، نجحت واشنطن عبر القوة الناعمة والخشنة في تقليص الدور النفطي الفنزويلي إلى حد كبير، وجعلت اقتصاده عبر السنوات عبرة لمن يخرج عن النظام العالمي بقيادتها. ومن جهة أخرى، لم تستطع ترجمة هذا الخنق الاقتصادي إلى انهيار سياسي حاسم يفضي إلى إسقاط النظام في كاراكاس. فلا العقوبات المالية وحدها تكفي لإسقاط نظام أمني قوي، ولا استعراض القوة البحري، مهما كان جريئا، يضمن تغييرا في سلوك النظام دون كلفة وتبعات خطيرة.
الاعتبارات الاستراتيجية الأعمق للولايات المتحدة
لفهم نهج واشنطن تجاه فنزويلا، لا بد من النظر إلى الصورة الأوسع، إذ تتجاوز الحسابات الأميركية حدود فنزويلا ذاتها لتطال مصالح إقليمية وعالمية. أول هذه الاعتبارات هو هاجس تفادي خلق فراغ أمني جديد في نصف الكرة الغربي. تدرك الولايات المتحدة أن انهيارا فوضويا للنظام الفنزويلي، دون ترتيبات انتقالية، قد يحول فنزويلا إلى «دولة فاشلة» بالمعنى الكامل: مليشيات متناحرة، انفلات للسلاح، تضاعف موجات اللجوء (ربما إلى أرقام تفوق الثمانية ملايين الحالية)، وانتشار أنشطة الجريمة المنظمة عبر الحدود. مثل هذا السيناريو لن يهدد الدول المجاورة فقط، بل سيخلق تحديا أمنيا وإنسانيا على أعتاب الولايات المتحدة نفسها، في فلوريدا والكاريبي. وقد اختبرت واشنطن مرارة الفراغ في دول بعيدة مثل الصومال وأفغانستان وليبيا، لكنها لا ترغب في تكراره في قارتها.
وبدلا من ذلك، تفضّل تفكيك النظام تدريجيا أو تغييره عبر عملية سياسية داخلية، ولو استغرق ذلك وقتا أطول. فالهدف النهائي لواشنطن هو رحيل مادورو ونظامه، لكن كيفية هذا الرحيل لا تقل أهمية عن النتيجة نفسها.
الاعتبار الثاني مرتبط بالتنافس الجيوسياسي العالمي ومعادلة الطاقة. ففنزويلا الغنية بالنفط تمثل، في نظر الاستراتيجيين الأميركيين، ورقة مهمة في تأمين الإمدادات العالمية على المدى البعيد. يعتمد العالم اليوم بشكل كبير على نفط الخليج والشرق الأوسط، وهو اعتماد يحمل مخاطر استراتيجية. ففي عام 2022، شكلت دول الشرق الأوسط أكثر من 40% من صادرات النفط العالمية، فيما يمر عبر مضيق هرمز وحده نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي. في المقابل، لا تتجاوز الطاقة المستخدمة فعليا للبدائل المتاحة لتجاوز هرمز، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي أو خط حبشان الإماراتي، 2.6 مليون برميل يوميا، أي بالكاد تعوض 13% من شحنات المضيق في حال تعطل الملاحة فيه.
تضع هذه المعطيات الولايات المتحدة، الضامن التقليدي لأمن الخليج، أمام معضلة حقيقية؛ إذ إن أي صراع كبير مع إيران قد يغلق هرمز ويزلزل الاقتصاد العالمي، ما لم يوجد «صمام نفطي» بديل. هنا تبرز فنزويلا كاحتياطي استراتيجي محتمل. صحيح أن إنتاجها الحالي ضئيل، لكنها تمتلك أكبر مخزون نفطي في العالم. وإذا ما تغيّر النظام هناك إلى حكم مستقر بعلاقات جيدة مع الغرب، فإن استثمارات التكنولوجيا ورؤوس الأموال قد تعيد إنتاج فنزويلا إلى عدة ملايين برميل يوميا خلال عقد أو أكثر، ما يشكل صمام أمان يخفف اعتماد السوق على نفط الشرق الأوسط. من هذا المنظور، تنظر واشنطن إلى فنزويلا ككنز جيواستراتيجي مؤجل ينبغي إبقاؤه ضمن المعسكر الغربي، لأنه قد يصبح عنصرا حيويا إذا اختلت التوازنات مع خصوم مثل إيران أو روسيا. كما لا يمكن تجاهل سعي موسكو وبكين للاستفادة من نفط فنزويلا، سواء عبر شرائه بأسعار زهيدة أو الاستثمار المستقبلي فيه، ما يجعل إخراج كاراكاس من دائرة نفوذهما مكسبا أميركيا في لعبة الطاقة العالمية.
أما الاعتبار الثالث، فيتعلق بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. تاريخيا، يُنظر بتوجس إلى أي تدخل أميركي صريح لتغيير الأنظمة في دول الجنوب، بسبب إرث الانقلابات وحروب القرن الماضي. وفي الحالة الفنزويلية، حرصت واشنطن على بناء تحالف دبلوماسي إقليمي لدعم مواقفها، مثل «مجموعة ليما» سابقا، التي ضمت معظم دول أميركا اللاتينية المطالبة بعودة الديمقراطية في فنزويلا. غير أن هذا الاصطفاف تراجع في السنوات الأخيرة مع تغير الحكومات في دول الجوار وصعود تيارات يسارية في كولومبيا والبرازيل والمكسيك وغيرها، بل إن بعض هذه الدول عاد للتواصل مع نظام مادورو سعيا إلى حل سلمي. تدرك واشنطن هذا المناخ، وتعي أن أي مغامرة غير محسوبة في فنزويلا ستستغل دعائيا ضدها وتسيء إلى صورتها في المنطقة.
خاتمة
عند إعادة صياغة سؤال «هل يتنحّى مادورو أم تُسقطه الولايات المتحدة؟» في ضوء هذا التحليل، نصل إلى إجابة مركبة تتجاوز الخيارات الثنائية المباشرة. فلم يعد مرجحا أن يتنحّى مادورو طوعا لمجرد الضغط الاقتصادي أو حتى الحصار النفطي الأميركي، بعدما أثبت استعداده لتحمّل كلفة انهيار تاريخي والبقاء في السلطة مدعوما بالمؤسسة العسكرية وشبكات الريع المحيطة به. وفي الوقت ذاته، تبدو الولايات المتحدة عاجزة، أو غير راغبة فعليا، في إسقاطه عسكريا على غرار مغامرات القرن الماضي، بسبب كلفة هذا المسار وتعارضه مع مصالح استراتيجية أوسع.
وعليه، فإن السيناريو الأرجح ليس تنحّيا دراميا وشيكا، ولا غزوا يطيح بالنظام رأسا، بل عملية تغيير بطيئة وتدريجية، قد تتخذ شكل انتقال تفاوضي للسلطة أو تفكك داخلي محسوب في بنية النظام