
لفهم بنية النظام في إيران يتطلب الأمر النظر إلى الكيفية التي صيغت بها السلطة دستوريا بحيث تجمع بين الانتخابات والمؤسسات المنتخبة من جهة، وبين مرجعية دينية تعلو على الدولة من جهة أخرى. فالدستور الإيراني لا يقدم نفسه كنظام جمهوري انتخابي صرف، ولا كثيوقراطية بسيطة، بل كنظام يربط بين “سيادة الدين” و”مشاركة الشعب” في آن واحد. المادة 56 تتحدث عن أن الله منح الإنسان حق تقرير مصيره الاجتماعي، المادة 6 تجعل إدارة شؤون الدولة قائمة على الرأي العام والانتخابات، لكن المادة 57 تضع السلطات الثلاث تحت إشراف “ولي الفقيه” وإمامة الأمة، فيما تنص المادة 5 على أن قيادة الأمة في زمن غيبة الإمام المهدي (بحسب الفقه الشيعي الأثني عشري) تقع على عاتق الفقيه الجامع للصفات بوصفه مرشداً أعلى للبلاد. من هنا تبدأ القصة الحقيقية للنظام: ليس من مؤسسة واحدة، بل من ترتيب دستوري يجعل الشرعية الشعبية تعمل داخل سقف شرعية دينية أعلى.
كيف دخلت ولاية الفقيه إلى الدستور، وما معناها السياسي؟
ولاية الفقيه، في أصلها الفكري، مفهوم في الفكر الشيعي الاثني عشري يفيد بأن الفقيه يمكنه إدارة شؤون الجماعة في غياب الإمام المهدي. لكن الصياغة السياسية التي أخذت بها الجمهورية الإسلامية تعود أساسا إلى تطوير روح الله الخميني لهذا المفهوم في السبعينيات، حين جادل بأن الحكم العادل لا بد أن يكون تحت إشراف فقيه. هذا التصور يظهر بوضوح في ديباجة الدستور الإيراني نفسها، التي تقول إن تصميم “الحكومة الإسلامية” قام على ولاية الفقيه كما طرحها الخميني، ثم يعود النص نفسه في قسم “ولاية الفقيه العادل” ليجعل وجود فقيه قائد ضمانة لعدم انحراف مؤسسات الدولة عن “مهامها الإسلامية”. بعبارة أخرى، ولاية الفقيه في الدستور الإيراني ليست مجرد خلفية فكرية أو مرجعية أخلاقية، بل هي المبدأ المؤسس الذي يربط الدين ببنية الحكم.
ومن المهم هنا تصحيح فكرة شائعة وهي أنّ ولاية الفقيه لم تدخل الدستور لأول مرة عام 1989، بل كانت جزءا من دستور 1979 منذ البداية أي الدستور الأول للجمهورية الإسلامية بعد الثورة، في الديباجة وفي المادة 5 وفي بنية الفصل الخاص بالقيادة العليا للبلاد. ما حدث في 1989 كان تعديلا حاسما لكيفية تشغيل هذا المبدأ، لا إدخاله من الصفر. فالنسخة الأصلية من المادة 107 كانت تفترض أنه إذا لم يوجد فقيه يحظى بقبول شعبي واسع بوصفه مرجعا وقائدا، فإنه يمكن تشكيل “مجلس قيادة” من ثلاثة أو خمسة مراجع. كما أن شروط المادة 109 في صيغتها الأصلية ربطت القيادة صراحة بمقام المرجعية الدينية بمعنى أن يكون مرشد البلاد مرجعا دينيا. بعد تعديل 28 يوليو 1989، صار النص يتجه إلى اختيار قائد واحد بواسطة مجلس الخبراء، وتراجعت صياغة شرط المرجعية لصالح اشتراط الكفاءة الفقهية والعدالة والبصيرة السياسية والقدرة الإدارية. كذلك تُظهر المقارنة بين الصيغتين أن المادة 57 في النص المعدل تتحدث عن “الولاية المطلقة للأمر” أي الولاية المطلقة للمرشد، بينما كانت صيغة 1979 أقل اتساعا من هذه الناحية. ثم جاء التثبيت الأشد في المادة 177 التي تعتبر المواد المتعلقة بولاية الأمر وإمامة الأمة من العناصر غير القابلة للتعديل. هذا يعني أن 1989 لم ينشئ المبدأ، بل أعاد هندسته ليصبح أكثر قابلية للاستمرار المؤسسي.
هرم السلطة الفعلي: كيف تتوزع المؤسسات تحت موقع المرشد؟
عند الانتقال من المبدأ إلى البنية، يظهر المرشد بوصفه نقطة الارتكاز الدستورية للنظام. فالمادة 110 تمنحه صلاحيات واسعة هي رسم السياسات العامة بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، الإشراف على تنفيذها، إصدار أوامر الاستفتاء، القيادة العليا للقوات المسلحة، إعلان الحرب والسلم والتعبئة، وتعيين أو عزل عدد من أهم المواقع الحساسة، من بينها فقهاء مجلس صيانة الدستور، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، ورئيس الأركان، وقائد الحرس الثوري، وكبار القادة العسكريين والأمنيين. وفي المقابل، توضح المادة 113 أن رئيس الجمهورية هو أعلى مسؤول في الدولة “بعد المرشد”، أي أن الرئاسة تأتي دستوريا في المرتبة الثانية، لا الأولى، وأن اختصاصها يستثني كل ما يرتبط مباشرة بالقيادة. بهذا المعنى، لا يقف المرشد فوق الدولة بوصفه رمزا فقط، بل بوصفه مركزا دستوريا يملك أدوات التعيين والتحكيم والتوجيه الاستراتيجي.
لكن قوة هذا الموقع لا تُفهم من المادة 110 وحدها، بل من شبكة المؤسسات التي تدور حولها. فمجلس الشورى الإسلامي يستطيع التشريع ضمن حدود الدستور، لكنه لا يملك سن قوانين تخالف الدين الرسمي أو الدستور، ومجلس صيانة الدستور هو الذي يقرر ذلك. بل إن المادة 93 تنص صراحة على أن مجلس الشورى (البرلمان) لا تكون له صفة قانونية من دون وجود مجلس صيانة الدستور. وفي السلطة القضائية، لا ينتخب رأس الهرم القضائي من الداخل، بل يعيّنه المرشد لمدة خمس سنوات وفق المادة 157. أما مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي يفترض أن يحسم الخلافات بين البرلمان ومجلس الصيانة ويقدم المشورة في القضايا المحالة إليه، فالمادة 112 تجعل أعضاءه الدائمين وغير الدائمين من تعيين المرشد أيضا. وحتى في المجال العسكري، تنص المادة 150 على بقاء الحرس الثوري لحماية الثورة ومنجزاتها، بينما يضعه توزيع الصلاحيات في المادة 110 ضمن منظومة القيادة المباشرة للمرشد. الصورة هنا ليست مجرد “تفوق” سياسي، بل بنية دستورية تجعل مفاتيح المرور بين التشريع والقضاء والجيش والحرس الثوري والإعلام والانتخابات متصلة في النهاية بمركز القيادة.
مجلس خبراء القيادة: هيئة انتخابية أم هيئة رقابية أم الاثنين معا؟
مجلس خبراء القيادة هو المؤسسة الوحيدة التي يمنحها الدستور سلطة اختيار المرشد ومراقبة أهليته وعزله إذا فقد شروط المنصب. تاريخيا، تشكلت هيئة باسم “مجلس الخبراء” بعد الثورة لوضع الدستور، ثم أعيد تأسيس مجلس خبراء القيادة بصيغته الحالية عام 1983 ليختص بالمرشد حصرا. ووفقا للترتيب القائم اليوم، يُنتخب أعضاؤه مباشرة من الشعب الإيراني كل ثماني سنوات، وكان عدد مقاعده 88 مقعدا في انتخابات 2024. لكن هذا الانتخاب لا يجري على قاعدة سياسية مفتوحة؛ فالترشح يتطلب تأهيلا فقهيا، ويشمل اختبارات في الفقه، كما أن المرشحين يحتاجون إلى موافقة مجلس صيانة الدستور على ترشحهم. من الناحية النظرية، المجلس هو الحارس الدستوري على منصب المرشد.
إنّ الجهة التي تنتخب المرشد وتفترض مراقبته تصل إلى تشكيلتها عبر بوابة يشرف عليها مجلس صيانة الدستور، ومجلس صيانة الدستور نفسه يتكون من ستة فقهاء يختارهم المرشد مباشرة، وستة قانونيين ينتخبهم البرلمان من بين مرشحين يقدّمهم رئيس السلطة القضائية، ورئيس السلطة القضائية بدوره يعيّنه المرشد. دستوريا لمجلس خبراء القيادة سلطة دستورية في رقابة عمل المرشد.
كيف يُختار المرشد الجديد عند الوفاة أو العجز؟
آلية الخلافة في النظام الإيراني ليست متروكة للعرف، بل منصوص عليها تفصيلا في المادة 111. إذا توفي المرشد أو استقال أو عُزل أو فقد الشروط الواردة في المادتين 5 و109، يتعين على مجلس الخبراء أن يتحرك “في أقصر وقت ممكن” لتعيين قائدا أو مرشداً جديدا للبلاد. وخلال الفترة الانتقالية، يتولى قيادة البلاد مجلسا مؤقتا للقيادة يتكون من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام. هذا المجلس المؤقت لا يملك كامل الصلاحيات بحرية مطلقة؛ فممارسته لبعض صلاحيات المادة 110 الحساسة تتطلب موافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام. خلال الحرب الأخيرة وبعد وفاة خامنئي وخلال الفترة بين وفاته وتعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديدا للبلاد تشكل مجلس القيادة المؤقت بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلامحسين محسني إيجئي وفقيه من مجلس صيانة الدستور هو عليرضا أعرافي ومن الجدير بالذكر أن مجمع تشخيص مصلحة النظام فوض مجلس القيادة المؤقت خلال هذه الفترة باتخاذ القرارات التي تحتاج لتصويت ثلاثة أرباع أعضائه كي لا يحدث فراغا وكي يتم تسريع القرارات المصيرية للبلاد.
كما تنطبق الآلية نفسها في حالة العجز المؤقت للمرشد بسبب المرض أو حادث طارئ. هنا يظهر حرص الدستور على أمرين معا، منع الفراغ في قمة الدولة، ومنع انفراد سلطة انتقالية غير مضبوطة بكل أدوات المرشد دفعة واحدة.
أما اختيار المرشد الجديد نفسه، فليس انتخابا شعبيا مباشرا ولا توريثا دستوريا، بل قرار تتخذه هيئة خبراء منتخبة ضمن شروط فقهية ومؤسسية محددة. المادة 109 تحدد الشروط الأساسية لانتخاب المرشد وهي، أهلية علمية للإفتاء في مجالات الفقه، والعدالة والتقوى، والبصيرة السياسية والاجتماعية، والشجاعة والقدرة على الإدارة والقيادة.
خاتمة
تكشف دراسة بنية النظام في إيران أن فهمه يتطلب قراءة متأنية للنص الدستوري ولطريقة عمل المؤسسات معا، لا الاكتفاء بالأسماء الرسمية أو بالتصورات العامة الشائعة عنه. فموقع المرشد، ومبدأ ولاية الفقيه، ودور مجلس خبراء القيادة، وعلاقة هذه العناصر بمجلس صيانة الدستور والرئاسة والسلطة القضائية، كلها تشكل منظومة مترابطة لا يمكن فهم جزء منها بمعزل عن الآخر. وهذه المنظومة لم تتشكل دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة مسار سياسي ودستوري تبلور منذ قيام الجمهورية الإسلامية، ثم أعيدت صياغة بعض عناصره في تعديلات 1989 بما أثر في آلية القيادة وشروطها وترتيب الصلاحيات داخل الدولة.
ومن هنا، فإن أي قراءة جادة للنظام الإيراني ينبغي أن تنطلق من التمييز بين النصوص المؤسسة، والآليات العملية التي تُفعّل هذه النصوص، والتوازنات التي تنشأ بين المؤسسات المنتخبة والهيئات ذات الطبيعة الدستورية والدينية. كما أن مسألة اختيار المرشد أو انتقال القيادة عند شغور المنصب تظل من أكثر الجوانب دلالة على طبيعة هذا البناء المؤسسي، لأنها تكشف كيف سعى الدستور إلى ضبط الاستمرارية السياسية عبر إجراءات محددة وواضحة نسبيا. وبذلك، فإن دراسة هذا النظام لا تقدم فقط صورة عن مؤسسة أو منصب بعينه، بل تفتح نافذة أوسع لفهم منطق الدولة الإيرانية الحديثة وآلية اشتغالها الداخلية.