مسودة الاتفاق الإيرانية مع الولايات المتحدة: ربط الاقتصاد بالملف النووي

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
02/26/2026
شارك المقالة

مقدمة

حين تتقدّم حاملتا طائرات أميركيتان إلى مسارح ملاصقة جغرافي للمجال الإيراني، وحين تُرى مؤشرات لرفع الجاهزية اللوجستية عبر تحركات طائرات التزوّد بالوقود بعيدة المدى، يصبح الخطأ التحليلي الأكبر هو تفسير الأمر بوصفه استعراضا عابرا أو “مزايدة تفاوضية” قابلة للإطفاء بمجرد تبادل رسائل تهدئة. ما يحدث أقرب إلى إعادة ترتيبٍ للبيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران ضمن سياقين متوازيين، سياق دولي يتسم بتزايد التنافس الأميركي–الصيني على سلاسل الإمداد والطاقة والنفوذ المالي، وسياق إقليمي تحاول فيه واشنطن، ومعها تل أبيب، تثبيت بنية أمنية جديدة تجعل التفوق الإسرائيلي “مؤسَّسا” لا “طارئا”، وتُضعف قدرة اللاعبين الإقليميين الكبار على تعطيل هذه البنية.

ضمن هذه القراءة، تصبح المفاوضات غير المباشرة التي بدأت في مسقط بوساطة عُمانية ثم انتقلت إلى جنيف أكثر من مجرد “عودة للمسار النووي”. خلال الجولة الثالثة من المفاوضات النووية التي تعقد اليوم في جنيف يحمل الوفد الإيراني معه مسودة اتفاق محتمل بين الأطراف لا يقتصر على الجانب النووي ورفع العقوبات بل فيه عروض اقتصادية يروج الإيرانيون بأنها مغرية للغاية. جولة اليوم اختبار لإمكانية نقل الصراع من حافة الاشتباك إلى ساحة تعاقدية تُدار فيها المخاطر عبر تبادل مصالح ملموسة، لا عبر تعهدات سياسية قابلة للنكث. غير أن طهران، وهي تدخل هذا الاختبار، لا تنطلق من تفاؤل ساذج، بل من إدراك مركّب هو أنّ الاقتصار على الملف النووي قد ينتج اتفاقا يخفف خطر الضربة العسكرية، لكنه لا يضمن مكسبا استراتيجيا دائما، ولا يبني شبكة مصالح كافية لإقفال باب التصعيد في أي دورة سياسية أميركية لاحقة. لذلك تحاول إيران إدخال “اقتصاد الطاقة” كأداة هندسة للاتفاق، أو كصمّام أمان يرفع كلفة العودة إلى سياسة الخنق والعقوبات الأمريكية.

التحشيد العسكري بوصفه لغة النظام الدولي لا لغة التفاوض فقط

التراكم العسكري الأميركي قرب إيران لا يُقرأ بصفته خطا واحدا من الردع، بل كمجموعة إشارات متزامنة إلى ثلاثة عناوين هي: الجاهزية للضربة، وضمان قدرة الحلفاء على العمل تحت مظلة أميركية، واختبار حدود رد الفعل الإيراني. حين تُنقل حاملة مثل “جيرالد فورد” إلى شرق المتوسط ويُشار إلى مرافقتها بمدمرات، وتعمل “أبراهام لينكولن” ضمن نطاق عمليات القيادة المركزية قرب بحر العرب/خليج عُمان، فإن الولايات المتحدة لا تُلوّح فقط بضربة؛ هي تُعيد توطين القدرة على إدارة أزمة طويلة قد تتضمن ضربات، ثم احتواء ردود، ثم حماية الملاحة، ثم إدارة سوق النفط في الوقت نفسه. هذا النوع من الترتيب العسكري ينتمي إلى “إدارة مسرح” أكثر مما ينتمي إلى “ضغط تفاوضي سريع”.

الجانب الإيراني استجاب بمنطق مماثل فعمل على إغلاق مؤقت لمضيق هرمز بالتزامن مع تدريبات رماية وتمارين صاروخية للحرس الثوري، ثم إشعارات ملاحية/جوية(NOTAM) تتحدث عن إطلاقات صاروخية مخططة، مع مناورة بحرية مشتركة مع روسيا في نطاق خليج عُمان/شمال المحيط الهندي. الرسالة هنا ليست “قد نرد”، بل “لدينا قدرة تشغيلية على جعل نقاط الاختناق في الطاقة والملاحة جزءا من معادلة الردع”. هذه خطوة مهمة لأن مضيق هرمز لا يمثل مجرد جغرافيا عسكرية؛ إنه عقدة طاقة عالمية، وأي اضطراب فيه ينتقل فورا إلى الأسواق ويصبح حدثا دوليا يتجاوز واشنطن وطهران. لذلك، حتى لو كان الإغلاق لساعات، فهو يذكّر بأن إيران تمتلك وسائل ربط الأمن بالطاقة، وأن أي صدام واسع سيستدعي “فاتورة نفط” عالمية، وهي فاتورة تخشاها العواصم الغربية والآسيوية معا.

لكن ما يجعل هذا التحشيد أكثر خطورة من “السيناريوهات الكلاسيكية” هو أنه يأتي في لحظة تحاول فيها واشنطن تضييق هامش المناورة أمام الصين في ملف الطاقة. النفط الإيراني، عمليا، يرتبط بإحدى أهم قنوات تمويل الدولة الإيرانية في ظل العقوبات، ويرتبط أيضا باستراتيجية الصين لتنويع مصادرها بأسعار تفضيلية وشبكات نقل مرنة. من هنا لا يعود الضغط العسكري على إيران منفصلا عن الضغط البنيوي على مسارات نفطية تتغذى منها بكين. ليست الفكرة أن واشنطن ستقطع النفط الإيراني مباشرة، بل أن تُعيد تعريف تكلفة استمراره خارج النظام الذي تريده واشنطن لإدارة المخاطر في الشرق الأوسط. في هذه النقطة تحديدا، يصبح الملف النووي مجرد بوابة، بينما تظل الطاقة هي الساحة التي تتقاطع فيها مصالح العالم الحقيقي.

لماذا تصرّ طهران خلال جولة مفاوضات جنيف اليوم على “نووي فقط” لكنها تُدخل الطاقة من الباب الخلفي؟

إيران تقول إنها تريد مفاوضات محصورة بالنووي، وترفض إدراج الصواريخ والدور الإقليمي ودعم الحلفاء. هذا الإصرار مفهوم فتوسيع جدول الأعمال يعني تحويل التفاوض إلى منصة لإعادة صياغة هوية الدولة الاستراتيجية، وهو ما تعتبره طهران مساسا بعمق الردع لديها. في الوقت نفسه، تدرك إيران أن الاتفاق النووي، إذا أُنجز بشروط تقترب من العودة إلى قيود شبيهة بفترة ما بعد 2015، سيعني عمليا تنازلات صعبة في مستويات التخصيب والمخزون وآليات الرقابة. وفي التسريبات، يظهر أن الحديث يدور حول خيارات مثل تصدير جزء من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%أو تخفيف تركيزه، مع استمرار الخلاف على شكل رفع العقوبات ومداه.

غير أن جوهر المفارقة الإيرانية هنا أن “الاتفاق النووي وحده” قد لا يشتري لإيران إلا زمنا مؤقتا. فحتى لو حصلت على تخفيف للعقوبات، تبقى ذاكرة الانسحاب الأميركي من اتفاق سابق عاملا بنيويا يضرب الثقة في أي ضمان سياسي. لذلك تحاول طهران ابتكار طبقة ضمان إضافية، ليست قانونية بقدر ما هي مصلحية وهي تحويل الاتفاق إلى فرصة لدخول شركات أميركية، إلى قطاعات الطاقة كمتعهدين أو مستثمرين. من جهة أخرى، وهناك تصريح واضح لوزير النفط الإيراني محسن باكنجاد يقول فيه إن التعاون في النفط والغاز مع الولايات المتحدة “ممكن”، في سياق حديث عن أن المصالح المتبادلة في النفط والغاز والحقول المشتركة والتعدين وحتى شراء الطائرات المدنية طُرحت كأفكار لضمان اتفاق “أكثر ديمومة”. هنا يتحول الاقتصاد إلى لغة سياسية فبدل أن تطلب إيران “تعهدا أميركيا” بعدم التصعيد، تحاول أن تبني وضعا يكون فيه التصعيد نفسه مكلفا على المصالح الأميركية.

واقعية الرهان وحدوده

في قلب المسودة الاقتصادية والنووية التي قدمتها إيران اليوم إلى الولايات المتحدة في جنيف توجد حقيقة لا يمكن تجاوزها هي أنّ قطاعا النفط والغاز في إيران يحتاجان استثمارات هائلة ليست ترفا بل شرط بقاء للطاقة كرافعة دولة. تصريحات رسمية سابقة تؤكد أن إيران تحتاج نحو 160 مليار دولار استثمارات في النفط والغاز لتجنب التحول إلى مستورد صافٍ للطاقة، وهو رقم يتكرر في مصادر متعددة. وهناك تفصيل متداول عن توزيع تقريبي للاستثمارات بين النفط والغاز في إطار رفع/صيانة الطاقة الإنتاجية، بما يجعل الغاز جزءا كبيرا من الفاتورة، خصوصا مع تحديات الضغط في الحقول العملاقة والحاجة لتحديث البنية التحتية. من زاوية طهران، هذه الأرقام ليست فقط اقتصادية؛ هي “مشكلة أمن قومي” لأن عجز الطاقة داخليا يضغط على الشرعية الاجتماعية والقدرة على الصمود تحت العقوبات.

ومع ذلك، فإن تحويل هذه الحاجة إلى أداة تفاوضية مع واشنطن يصطدم بثلاثة سقوف استراتيجية. السقف الأول هو إسرائيل. تل أبيب لا ترى التهديد الإيراني محصورا في النووي، بل في منظومة القوة كاملة المتمثلة بالصواريخ والشبكات الإقليمية والقدرة على تعطيل الملاحة وتشكيل جبهات متعددة. لذلك قد لا تعتبر إسرائيل أن دخول شركات أميركية إلى الطاقة الإيرانية سبب كافٍ لإغلاق ملف المواجهة، خصوصا إذا رأت أن الاتفاق النووي يترك لإيران بنية ردع أخرى قائمة. هذا يعني أن “شبكة المصالح الاقتصادية” قد تمنح واشنطن مبررا للتريث، لكنها لا تضمن كبح الفاعل الإسرائيلي إذا اعتقد أن لحظة الفرصة تتشكل. الفجوة هنا ليست خلافا في التكتيك، بل اختلاف في تعريف الخطر ذاته.

السقف الثاني هو “الانحصار” الذي قد تطلبه واشنطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة. الولايات المتحدة، في إطار منافستها للصين، قد ترى أن الاستثمار في النفط والغاز الإيرانيين لا معنى له إذا بقي النفط يتدفق إلى الصين بذات المنطق الحالي. لذلك قد تميل واشنطن إلى صياغات تجعل وصول الشركات الأميركية مقرونا بترتيبات سوقية أو شفافية أو قنوات تسويق تقلص مرونة طهران في بيع النفط لبكين. إذا طُرح هذا الشرط، يصبح العرض الإيراني نفسه ساحة صراع جديدة لا أداة حل. فإيران إن قبلت انحصارا فعليا، تكون قد ضحت بأهم ورقة اقتصادية مع الصين وبشبكة علاقاتها الشرقية في لحظة دولية تتسم باستقطاب متصاعد. وإن رفضت، قد تعتبر واشنطن أن العرض مجرد محاولة لرفع العقوبات دون تغيير بنية السلوك الاقتصادي الاستراتيجي.

السقف الثالث هو التناقض الداخلي في الهوية السياسية والاقتصادية للجمهورية الإسلامية. منح الشركات الأميركية موطئ قدم في قطاع الطاقة، حتى لو صيغ بعبارة “متعهدين” لا “شركاء سياديين”، سيعيد فتح أسئلة تاريخية عن التبعية والتغلغل الاقتصادي، وهي أسئلة مؤسسة في سردية ما بعد الثورة. كما أن الاعتماد على استثمارات خارجية في قطاع حيوي قد يخلق هشاشة جديدة فإذا تغيرت السياسة الأميركية أو عاد مسار العقوبات، تكون إيران قد أعادت بناء جزء من قطاعها الحيوي على افتراضات خارجية. بهذا المعنى، الورقة الاقتصادية تمنح إيران فرصة، لكنها تحمل مخاطرة إعادة إنتاج تبعية من نوع جديد، ولو بصورة أقل مباشرة.

في ضوء هذه الحدود، تصبح عبارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن “الاتفاق يحتاج مرونة وإبداعا” ليست مجازا دبلوماسيا، بل وصفا لمأزق هندسي فالمطلوب صياغة ترتيبات تسمح لإيران بجذب استثمارات ترفع كفاءة قطاعها النفطي والغازي وتحافظ على الإنتاج، دون أن تتحول تلك الاستثمارات إلى أداة انحصار أميركي ضد الصين، ودون أن تُفجر حساسيات السيادة والهوية داخل إيران، ودون أن تترك لإسرائيل مساحة ادعاء أن الاتفاق يكرّس تهديدا طويل الأمد. أي إن الإبداع هنا ليس في كتابة بنود نووية، بل في تصميم “ضمانات مصالح” متعددة الأطراف تجعل كلفة الانهيار أعلى من كلفة الاستمرار.

خاتمة

يبدو المشهد كأنه يقف على مفترق بين مسارين مسار يترجم التحشيد العسكري إلى ضربة محدودة أو حملة أوسع، ومسار يحاول تحويل الردع إلى عقد مصالح يربط النووي بالاقتصاد والطاقة، ويعيد تعريف معنى “رفع العقوبات” من كونه تنازلا سياسيا إلى كونه إعادة وصل اقتصادية تضخ استثمارات ضرورية في قطاع إيراني متآكل. في هذا السياق، لا يكون إدخال النفط والغاز إلى التفاوض مجرد محاولة “شراء وقت”، بل محاولة نقل مركز الثقل من صراع هوية إلى صراع مصالح؛ من معادلة صفرية إلى معادلة تكاليف.

لكن نجاح هذا الانتقال يتوقف على سؤال واحد هو هل تستطيع طهران أن تقدم عرضا اقتصاديا جذابا بما يكفي لخلق لوبي مصالح حقيقي داخل الاقتصاد السياسي الأميركي، من دون أن يتحول العرض إلى أداة انحصار تطيح بعلاقتها مع الصين وتناقض سرديتها الداخلية؟ وهل تستطيع واشنطن، بدورها، أن تقبل هندسة مصالح لا تعني السيطرة الكاملة على موارد إيران، بل تعني تقليص المخاطر النووية واحتواء التصعيد، من دون أن تُفجر خلافا مع تل أبيب أو تُظهر تنازلا مجانيا؟

مساء اليوم قد يكشف مصير هذه المفاوضات إن احتوت “إبداعا” يوازن بين السيادة والحوافز، وبين الشرق والغرب، وبين النووي والطاقة، فقد تفتح نافذة لاتفاق قابل للحياة. أما إذا تحولت ورقة الطاقة إلى ساحة اختبار “انحصار” أو إلى صدام تعريفات الخطر بين واشنطن وتل أبيب، فقد تتقلص مساحة الدبلوماسية، ويصبح التحشيد العسكري أكثر من رسالة حيث يصبح مقدمة لمسار قسري يراد به فرض نظام إقليمي جديد أو إخضاع إيران له. وفي جميع الأحوال، يبقى درس مضيق هرمز حاضرا حين تتصل أزمة نووية بعقدة الطاقة العالمية، لا يعود الصراع محليا، بل يتحول إلى أزمة نظام دولي مصغّرة، تتداخل فيها القوة الخشنة مع هندسة الأسواق، وتتقدم فيها المصالح الاقتصادية لتصبح هي نفسها لغة الأمن.

شارك المقالة
مقالات مشابهة