كيف دخل مضيق هرمز إلى صلب تسوية وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران؟

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
04/10/2026
شارك المقالة

ليس التحول الأهم في أزمة مضيق هرمز هو مسألة فتحه أمام السفن وناقلات النفط بل في كونه مضيقا غدا جزءا عضويا من تفاهم وقف إطلاق النار نفسه بين طهران وواشنطن. فالتسوية التي أعلن عنها في 8 أبريل 2026، بوساطة باكستانية ولمدة أسبوعين تمهيدا لمفاوضات أوسع، لم تتعامل مع هرمز بوصفه مجرد ممر مائي يجب أن يعود إلى العمل تلقائيا، بل بوصفه بندا تفاوضيا قائما بذاته. هذا وحده يكشف أن الممر الذي كانت أمريكا تنظر إليه لعقود باعتباره مجالا لإنفاذ حرية الملاحة بالقوة إذا لزم الأمر، بات الآن جزءا من صفقة التهدئة ومسرحا لإعادة تعريف موازين النفوذ بين القانون الدولي والقدرة العسكرية والاقتصاد السياسي للطاقة.

المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قال بأنّ أحد بنود اتفاق وقف إطلاق النار هو أنّ المرور عبر هرمز سيكون ممكنا فقط عبر التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية. هذا التطور يفرض إعادة قراءة مضيق هرمز في ثلاث طبقات متداخلة. الطبقة الأولى قانونية، من الذي يملك حق تنظيم المرور في مضيق دولي تتقاسمه جغرافيا إيران وعمان؟ والطبقة الثانية عملياتية، من الذي يملك فعلا القدرة على جعل المرور آمنا أو مكلفا أو مستحيلا؟ أما الطبقة الثالثة فهي سياسية تفاوضية، هل نجحت إيران في نقل المضيق من خانة “الخط الأحمر الأميركي” إلى خانة “الورقة القابلة للمقايضة”؟ الجواب الدقيق هو أن طهران لم تنتزع ملكية قانونية جديدة للمضيق، لكنها نجحت، على الأقل في هذه اللحظة، في فرض اعتراف وظيفي بدورها كفاعل لا يمكن تجاوزه في إدارة المخاطر اليومية للعبور. وهذا الفارق بين الحق القانوني والقدرة العملية هو مفتاح فهم دلالة ما يجري.

 

هرمز قبل وقف إطلاق النار: من ممر طاقة إلى بند في رزمة التفاوض

 

قبل إعلان التهدئة، كانت الحرب قد دفعت الملاحة في هرمز إلى حالة شلل شبه كامل، مع تراجع الحركة اليومية إلى أقل من 10% من متوسطها التاريخي، وبقاء مئات الناقلات المحملة داخل الخليج، فيما أعلنت شركات كبرى مثل ميرسك وهاباغ-لويد أن العودة إلى الوضع الطبيعي لا تزال بعيدة بسبب غياب “اليقين البحري” ووضوح قواعد المرور. ولم يكن ذلك أثرا جانبيا للحرب، بل كان لب الأزمة نفسها، لأن هرمز في الحالة الخليجية ليس ممرا عاديا؛ إنه عقدة تصل المياه الخليجية بخليج عمان وبحر العرب، ومر عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. لذلك، حين يصبح هذا الممر موضع إغلاق أو فتح مشروط، فإن من يدخل في التفاوض حوله لا يتفاوض فقط على ممر ملاحي، بل على أمن الطاقة العالمي وعلى سعر المخاطر في الاقتصاد الدولي كله.

من هنا تأتي دلالة المعلومة الأهم في التفاهم الأخير لوقف إطلاق النار وهي استئناف المرور لم يعد نتيجة تلقائية لإعلان سياسي عن وقف إطلاق النار، بل نتيجة تفاهم على إطار عبور مؤقت، بعضه رُبط صراحة بالتنسيق مع القوات الإيرانية. وهذا معناه الاستراتيجي عميق للغاية، لأنه يدل على أن الولايات المتحدة، حتى من دون أن تعترف قانونيا بحق إيراني جديد، قبلت سياسيا أن يصبح هرمز جزءا من التفاوض لا مجرد مجال لتطبيق مبدأ حرية الملاحة من جانب واحد. هذا ما يفسر أيضا لماذا بقي الخلاف العلني على بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران يتركز على لبنان وتخصيب اليورانيوم والاختراقات الجوية، بينما بدا ملف المضيق أقرب إلى “المسلم به وظيفيا” من الطرفين، وإن اختلفا جذريا على تعريف هذا المسلم به.

 

من يملك المضيق قانونيا؟

 

قانونيا، لا تملك إيران مضيق هرمز وحدها، ولا يمكن وصفه بأنه “ممر إيراني” خالص. فالمضيق يتشارك ضفتيه إيران وعمان، ويخضع في القانون الدولي البحري لنظام خاص بالمضائق المستخدمة للملاحة الدولية. الجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يقر نظام “المرور العابر” في هذه المضائق، ويؤكد أن هذا المرور لا يجوز تعليقه. وعمان دولة مصادقة على الاتفاقية منذ 1989، بينما إيران وقعت عليها عام 1982 لكنها لم تصادق عليها. الأهم من ذلك أن الفقه القانوني والممارسة الدولية لم يبنيا حرية المرور في المضائق على نص الاتفاقية وحده، بل أيضا على قواعد عرفية أقدم كرسها القضاء الدولي منذ قضية مضيق كورفو عام 1949، حين اعتبرت محكمة العدل الدولية أن المرور البريء في المضائق الدولية زمن السلم لا يخضع لترخيص مسبق من الدولة الساحلية ما دام المرور بريئا. المعنى المبسط لهذه القاعدة أن الدولة المشاطئة تملك حق الأمن والتنظيم والسلامة، لكنها لا تملك حق تحويل المضيق الدولي إلى بوابة إذن سيادي مطلق.

إيران بنت على مدى عقود قراءة قانونية مضادة لهذا التفسير القانوني قراءة تحاول تقليص نطاق “المرور العابر” وتوسيع مجال “المرور البريء” الخاضع لاعتبارات الأمن القومي. ففي إعلانها التفسيري عند توقيع الاتفاقية، قالت صراحة إن بعض أحكامها، ومنها حق المرور العابر في المضائق، ذات طبيعة تعاقدية لا يستفيد منها إلا أطراف الاتفاقية، وأكدت أيضا أن من حق الدولة الساحلية اشتراط موافقة مسبقة على مرور السفن الحربية. ثم جاءت في قانونها لعام 1993 بشأن المناطق البحرية لتشترط موافقة إيرانية مسبقة لمرور السفن الحربية والغواصات والسفن التي تحمل مواد نووية أو خطرة. ومع أن هذا التأويل لا يحظى بقبول واسع دوليا، فإنه يوضح كيف تنظر طهران إلى هرمز، ليس بوصفه “مضيق عبور حر” فحسب، بل “مضيق عبور مراقب” تملك الدولة الساحلية فيه حقا أوسع في الفحص والمنع والتنظيم تحت عنوان الأمنالقومي. وهنا تحديدا يظهر الفرق بين النص الدولي المعياري وبين القانون الوطني الذي تحاول إيران أن تمنحه أثرا يتجاوز حدودها.

 

السيطرة الفعلية: لماذا لا تحسم النصوص وحدها من يعلو صوته في هرمز

 

إذا كانت الملكية القانونية للممر ليست منفردة، فإن السيطرة الفعلية عليه ليست موزعة بالتساوي. فإيران بحكم الجغرافيا الساحلية، وقرب الجزر، وبنيتها العسكرية وصواريخها التي وزعتها في هذه الجزر، تملك قدرة استثنائية على رفع كلفة المرور وخفضه، وعلى جعل شركات الشحن تنظر إلى المخاطر التأمينية والأمنية قبل أن تنظر إلى النصوص القانونية. لهذا بقيت السوق تنتظر “وضوح الشروط” بعد إعلان التهدئة، ولهذا أيضا امتنعت الشركات الكبرى عن استئناف العبور الطبيعي فور الإعلان. شركة ميرسك قالت إن وقف النار لا يمنح بعد “يقينا بحريا كاملا”، وهاباغ-لويد قدرت أن العودة إلى الوضع الطبيعي قد تحتاج ستة إلى ثمانية أسابيع حتى إذا ثبتت الهدنة. وكان داخل الخليج في 8 أبريل 187 ناقلة محملة بنحو 172 مليون برميل من الخام والمنتجات. في مثل هذا السياق، لا تكون السيادة الفعلية هي من يملك أفضل حجة قانونية فقط، بل من يملك القدرة على جعل المرور ممكنا أو مؤجلا أو باهظ الثمن.

هنا يتعين فهم العبارة الإيرانية المتكررة عن أن “الوضع غير آمن” في المضيق. هذه العبارة ليست مجرد وصف أمني، بل أداة قانونية وسياسية معا. فمن خلالها لا تقول طهران علنا إنها تعطل حرية الملاحة كمبدأ، بل تقول إن شروط السلامة التقنية والعسكرية لم تعد متوافرة إلا عبر تنسيقها هي. وبذلك تنتقل من موقع منتهك للنظام الملاحي إلى موقع مدعٍ بأنه يدير الخطر. هذا التحول في الخطاب مهم، لأنه يسمح لها بأن تُلبس السيطرة الفعلية لباسا تنظيميا، لسنا نغلق المضيق، بل نحدد شروط المرور الآمن فيه. لكن المشكلة بالنسبة لباقي العالم أن هذا “التنظيم” إذا صار مرهونا بقرار أحادي من دولة واحدة، فإنه يتحول عمليا إلى سلطة تعطيل وإعادة تشغيل، حتى لو لم يُعلن باسمه الصريح.

 

الرواية الإيرانية: من المرور المنظم إلى رسوم العبور

 

في هذا الإطار يمكن فهم الطرح الإيراني الخاص برسوم العبور. فإيران لا تقدم الفكرة، على الأقل في صيغتها الرسمية، باعتبارها رسما سياديا على حق المرور المجرد، بل باعتبارها مقابلا عن خدمات أمنية وتنظيمية وملاحية تتحملها الدولة في ظرف حرب وما بعدها. مسؤولون إيرانيون كثر قالوا إن طهران تريد بروتوكولا جديدا بالاشتراك مع عمان يوجب التصاريح والتراخيص. ونائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي تحدث عن إعداد هذا البروتوكول لتسهيل العبور لا لتقييده كما تحدث أنه إذا فرضت إيران رسوما على العبور فهي تفرضها بناء على تقديم خدمات الأمن وغير ذلك وليس على مجرد العبور عبر مضيق هرمز. قانونيا، هذه التصريحات مهمة، لأن قانون البحار يمنع فرض رسوم لمجرد الإذن بالمرور، لكنه يسمح بفرضها مقابل عن خدمات محددة تقدم فعلا للسفينة، كالإرشاد أو القطر أو الخدمات المينائية، على أن تكون غير تمييزية. غير أن الاعتراض الدولي الواسع ينطلق من أن ما تطرحه إيران لا يبدو خدمة فنية محايدة، بل رسما على حق المرور نفسه مغلفا بلغة الخدمات.

ولفهم الفرق الواضح للمرات المائية نقارن بين قناة السويس ومضيق هرمز وهذا الفرقجوهري ومختصر في آن واحد. السويس قناة اصطناعية محفورة داخل الإقليم المصري وتديرها دولة ذات سيادة على منشأة مائية من صنع الإنسان، بينما هرمز مضيق طبيعي دولي تشكلت له قواعد خاصة في قانون الملاحة الدولية. اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 تتحدث عن بقاء قناة السويس مفتوحة، لكن واقع إدارتها يقوم على أن القناة منشأة تُدار وتُمول وتُصان عبر رسوم عبور مقررة ضمن نظام خاص بالقنوات. أما هرمز فليس منشأة إيرانية أو عمانية من هذا النوع، بل ممر طبيعي تخضع حريته لمبدأ مختلف هو حق المرور في المضائق الدولية. لذلك فإن القياس بين رسوم السويس ورسوم محتملة في هرمز قياس مضلل قانونيا، الأولى تتعلق باستخدام قناة تديرها دولة داخل إقليمها، والثانية تتعلق بمحاولة تحويل ممر دولي طبيعي إلى فضاء ترخيص سيادي.

 

هل أعطى اتفاق وقف إطلاق النار ميزة دائمة لإيران؟

 

استراتيجيا، نعم ولكن ضمن حدود. نعم، لأن مجرد قبول واشنطن بالتفاوض فيما يبقى المرور خلال الهدنة خاضعا لتنسيق مع القوات الإيرانية يعني أن إيران انتزعت اعترافا وظيفيا مؤقتا بأنها حارس بوابة المضيق. ونعم أيضا لأن ترمب طرح علنا، ولو بصورة ملتبسة، فكرة مشروع مشترك لتحصيل الرسوم مع إيران، قبل أن يؤكد البيت الأبيض أن الأولوية هي إعادة فتح المضيق بلا قيود. هذا التذبذب الأميركي مهم، لأنه يوحي بأن واشنطن باتت تتعامل مع هرمز باعتباره ملفا سياسيا قابلا للأخذ والرد، لا مجرد مبدأ نهائي غير قابل للتفاوض. لكن هذه الميزة ليست اعترافا قانونيا دائما، بل تسليم اضطراري بواقع ميداني فرضته الحرب وكلفة إعادة فرض حرية الملاحة بالقوة في لحظة شديدة الحساسية.

أما هل يمكن أن يتحول المؤقت إلى دائم، فالأرجح أن الجواب هو لا كقاعدة قانونية، نعم كسابقة سياسية. لا كقاعدة قانونية، لأن النظام الدولي للملاحة ما زال يقاوم بشدة فكرة تحويل المضائق الدولية إلى بوابات ترخيص ورسوم، ولأن أطرافا مؤثرة من أوروبا والخليج وآسيا أعلنت رفضها الصريح لهذا المنحى، ولأن كبار المستوردين والمتضررين لن يقبلوا بسهولة بتكريس سابقة تسمح لأي دولة ساحلية بأن تعيد تعريف شروط العبور في ممرات العالم الطبيعية. كما أن البدائل، رغم محدوديتها، تمنع احتكارا إيرانيا كاملا لورقة مضيق هرمز؛ فإدارة معلومات الطاقة الأميركية تقدر أن خط الأنابيب السعودي الشرقي-الغربي وخط أبو ظبي يمكنهما معا توفير نحو 4.7 ملايين برميل يوميا لتجاوز المضيق عند التعطل، وهو رقم بعيد عن كامل الأحجام التي كانت تمر عبر هرمز، لكنه كاف لمنع تكريس سلطة مطلقة في المضيق ودفع الأطراف إلى الاستثمار أكثر في مسارات التفاف تدريجية.

لكن نعم كسابقة سياسية، لأن ما حدث سيترك أثرا تفاوضيا طويل الأمد حتى لو لم يغير قواعد القانون الدولي حرفيا. فبعد هذه الحرب، لم يعد من السهل افتراض أن هرمز سيبقى خارج أي تسوية كبرى مع إيران. لقد صار المضيق، عمليا، جزءا من “سعر السلام” ومن “كلفة التصعيد” معا. وهذا أخطر من الاعتراف القانوني الصريح، لأن السابقة السياسية قد تكون أشد فعالية من النص، خصوصا عندما تكون الأسواق وشركات التأمين وشركات الشحن هي أول من يصدق الواقع الجديد. وإذا كانت طهران لم تحصل على سيادة قانونية منفردة على هرمز، فإنها اقتربت، في هذه اللحظة على الأقل، من امتلاك حق عملي في تعريف شروط إعادة تشغيله عند كل أزمة كبرى. ذلك ليس سيادة بالمفهوم الكلاسيكي، لكنه شكل متقدم من الهيمنة الجيوسياسية المرنة.

 

خاتمة

الاستنتاج الاستراتيجي الأهم هو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل تحول إلى أداة لإعادة توزيع الاعتراف بين القانون والقوة وبين الشرعية الدولية والقدرة على فرض الوقائع. فالقانون الدولي ما زال يقرر أن المضائق الدولية ليست ملكا لدولة واحدة، وأن المرور فيها لا يجوز تعليقه أو تحويله إلى إذن سيادي عام، غير أن الحرب الأخيرة أظهرت في المقابل أن السيطرة الفعلية لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل بقدرة طرف بعينه على ضبط المخاطر اليومية للملاحة ورفع كلفتها أو خفضها. وفي هذه المساحة الفاصلة بين النص والواقع نجحت إيران في نقل هرمز من خانة الممر المائي الدولي إلى خانة المقايضة العملية ضمن أي هندسة تفاوضية مقبلة.

وبذلك فإن المكسب الإيراني الأهم لا يتمثل في انتزاع اعتراف قانوني جديد، بل في فرض اعتراف وظيفي مؤقت بدورها، باعتبارها طرفا لا يمكن تجاوزه عند إدارة أمن العبور. وهذه السابقة، حتى لو لم تترسخ في صورة قاعدة قانونية دائمة، مرشحة لأن تتحول إلى قاعدة سياسية ملازمة لكل أزمة كبرى في الخليج، بحيث يغدو أمن المضيق جزءا بنيويا من أي تفاوض حول الحرب والتهدئة والنووي والعقوبات وترتيبات الإقليم، أي تحول مضيق هرمز إلى مساحة للهيمنة الجيوسياسية المرنة، أي القدرة على تعريف شروط إعادة تشغيل الشريان العالمي للطاقة كلما دخلت المنطقة طورا جديدا من الصدام أو التسوية.

شارك المقالة
مقالات مشابهة