على وقع الغارات الإسرائيلية اليومية وتهديدات المبعوث الأمريكي توم براك، اتخذت الحكومة اللبنانية في 5 أغسطس قرارًا بتكليف الجيش اللبناني وضع خطة عملية قبل نهاية الشهر الجاري لسحب سلاح حزب الله ضمن جدول زمني ينتهي مع بداية العام 2026.
وفي 7 أغسطس، استأنف مجلس الوزراء اللبناني مناقشة الملف ووافق على نزع سلاح الحزب وبدء مفاوضات لترسيم الحدود البرية مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما حظي بإشادة المبعوث الأمريكي الذي سيزور لبنان في القريب العاجل.
في المقابل، رفض حزب الله قرار الحكومة وأعلن: “سنتعامل مع هذا القرار كأنه غير موجود”، بينما غادر وزراء الحزب وحركة أمل جلسة مجلس الوزراء رفضًا لمقرراتها، وشهدت شوارع بيروت احتجاجات تنذر بتصعيد ممكن في الأيام المقبلة.
تعقيد مفصلي
يعد ملف سلاح الحزب أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد اللبناني، لما له من تداعيات أمنية وسياسية ذات بعد طائفي حاد تتراكم وتتصاعد منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006. فالحزب راكم هذه القدرات والخبرات منذ العام 1982، ومكنته من تثبيت حضور سياسي مؤثر في القرار اللبناني بلغ ذروته بعد العام 2015، ووضعته في مواجهة خصوم متعددين محليًا وإقليميًا.
ورغم الضغوطات الكثيرة، مثَّل شعار أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله “لن نترك السلاح” قرارًا استراتيجيًا لا مساومة عليه، إلا أن الخسائر الكبيرة التي مُني بها في حرب الإسناد الأخيرة أضعفت من موقفه في الداخل اللبناني وأعادت ملف السلاح إلى طاولة النقاش من جديد، إنما بجدية حاسمة.
ورغم القرار غير المسبوق للحكومة اللبنانية، فإن تعقيدات تطبيقه على أرض الواقع تتجاوز الممكن في المشهد اللبناني لأسباب عدة، منها:
لا ضمانات
لم يأت تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان من فراغ، فحين قال بأنه “لن يستطيع إجبار إسرائيل على فعل شيء” فقد أسقط كل الضمانات التي يراهن عليها خصوم حزب الله في الداخل اللبناني، وخاصة الضمانة الأمريكية، في وجه الاحتلال الإسرائيلي.
وحين سُئل وزير الإعلام اللبناني بول مرقص عن ضمانات التزام الاحتلال بمضمون الورقة الأمريكية التي وافقت عليها الحكومة اللبنانية، قال بأن الولايات المتحدة قد “تذهب إلى مجلس أمن دولي لإدانة أي خروق إسرائيلية!”
وعلى مرمى حجر من مزارع شبعا المحتلة، عزز مسار التصعيد الذي سلكته تل أبيب تجاه النظام الجديد في دمشق، رغم التطمينات المتكررة من الحكومة السورية تجاه إسرائيل، حالة الشك والتوجس لدى مؤيدي حزب الله.
فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، يسيطر جيش الاحتلال على جبل الشيخ ومناطق واسعة في محافظة القنيطرة السورية، كما يواصل توغلاته العميقة على مشارف ريف دمشق، فضلًا عن استهدافه للقدرات العسكرية السورية ودعمه للانفصاليين الدروز في السويداء.
يتمسك حزب الله أمام جمهوره وعموم اللبنانيين بهذه الذريعة الواقعية، فإذا كان باراك يتنصل من الضغط على الاحتلال للخروج من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو حتى إيقاف الاعتداءات، فلم سيسلم الحزب سلاحه إذًا؟ ومن الذي سيعيد أهالي قرى وبلدات الجنوب إلى منازلهم المدمرة أصلًا؟ ولماذا يكون مصير سلاح الحزب الإتلاف بدلًا من احتوائه ضمن الجيش اللبناني وفق استراتيجية دفاعية وطنية واضحة؟
تلك أسئلة يطرحها حزب الله، عبر أمينه العام ونوابه وإعلامه الرديف ومناصريه في الشارع، بينما تمتنع الحكومة اللبنانية عن تقديم إجابات واضحة عليها وترمي بالكرة إلى الملعب الأمريكي.
الموقف الإيراني
قرار الحكومة وصل صداه إلى إيران التي تحسست جدية الضغط الذي يبلغ مداه الأقصى على حزب الله، أهم استثمار لها في المنطقة منذ انتصار الثورة الإيرانية وسقوط الشاه. فقد صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتجي عن موقفه الداعم للحزب، وأن قرار تسليم السلاح من عدمه يعود للحزب وحده، والذي رفض ذلك على لسان أمينه العام نعيم قاسم.
تدرك إيران اليوم بعد حربها الأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي أن خطوطها الدفاعية المتقدمة باتت مهشمة للغاية، لكنها تدفع حزب الله نحو المناورة السياسية وكسب مزيد من الوقت ريثما يستكمل عملية إعادة هيكلته ويستعيد عافيته العسكرية ويرمم مناعته الأمنية.
ولذلك، تواصل طهران تقديم الدعم الدبلوماسي لحزب الله في لبنان، والذي يترافق مع دعم مالي واستشاري للنهوض بجناحه العسكري من النكسة التي أصيب بها في الحرب الأخيرة.
هل يكون “7 أغسطس” شرارة الفوضى؟
يذكّر تاريخ 7 أغسطس اللبنانيين بـ 7 مايو 2008، حين شهدت بيروت وجبل لبنان حرب شوارع بين حزب الله وأحزاب معارضة له على إثر قرار لحكومة الرئيس السابق فؤاد السنيورة بتفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب وإقالة مدير أمن مطار بيروت الموالي له كذلك.
أما في 7 أغسطس 2025، فقد انتشر مناصرو حزب الله وحركة أمل في شوارع بيروت احتجاجًا على قرار الحكومة، بينما عزز الجيش اللبناني من دورياته وتدابيره الأمنية منعًا لتدهور الأوضاع.
المفارقة اليوم أن حزب الله في مايو 2008 كان لا يزال يتمتع بزخم انتصار حرب يوليو 2006، بينما تثقله اليوم تداعيات الحرب الأخيرة على المستويات الأمنية والعسكرية والشعبية كافة.
لكن موقف الحزب اليوم ليس الأول من نوعه، فقد تعرض لضغوطات شديدة في سبتمبر 1993 حين خرج مناصروه في تظاهرة احتجاجية عقب توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. حينها، تصدى الجيش اللبناني للمتظاهرين وانتهت الاحتجاجات بسقوط عشرات الضحايا.
حينها، جاء رد فعل الحزب خلاف التوقعات التي رأت أنه كحزب “أصولي شيعي” سيرد بالتصعيد ضد الجيش اللبناني، لكنه امتص الضربة وتجاوز تلك المرحلة بأقل الخسائر.
لا تشبه الظروف اليوم مايو 2008 حيث كان الحزب في عافيته، كما انها لا تشبه سبتمبر 1993 حيث القرار بإنهاء وجود حزب الله- لا مجرد الضغط عليه- قد اتُّخذ، إلا أن خيارات أمينه العام نعيم قاسم تتقلص شيئًا فشيئًا في ظل الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية والمحلية، ما يجعل كافة الاحتمالات ممكنة في المشهد اللبناني: بدءًا من استئناف الحرب مع الاحتلال الإسرائيلي، ووصولًا إلى الصدام مع الدولة اللبنانية.