فلول الأسد في لبنان: هذا ما قد يفعلونه في حديقة سوريا الخلفية

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
01/15/2026
شارك المقالة

على امتداد ريف حمص الغربي وصولاً إلى ريف طرطوس، يشكل النهر الجنوبي الكبير المانع الطبيعي الوحيد الذي يفصل بين لبنان وسوريا، لكن ضيق مجراه سهل على سكان الجانبين الإبقاء على الروابط الأسرية والتجارية فيما بينهم، فكانت حركة تهريب البضائع نشطة على طول النهر مع سهولة عبوره.

ولمعرفة الجميع بسهولة تضاريس المنطقة وإمكانية عبورها، كان من المتوقع حين سقط نظام الأسد أن يعبر من خلالها الفارون من عناصر وضباط جيش النظام وقواته الأمنية، وتكهن كثيرون مع اندلاع أحداث الساحل في مارس 2025 أن عدداً من قادة مجموعات هؤلاء الفلول قد دخلوا إلى لبنان خلسة، خاصة مع وجود بلدات وقرى قد تتعاطف معهم تبعاً للانتماء للطائفة العلوية.

لكن التسريبات التي نشرتها قناة الجزيرة قطعت الشك باليقين، وأثبتت وجود عدد من قادة المجموعات في شمال لبنان منضوين تحت تشكيل عسكري، بينما تحدثت تقارير أخرى عن نشاط شبه مؤسسي في العاصمة اللبنانية بيروت، ما يشير إلى تنافس بين جهتين تتخذان من لبنان منطلقاً لهما بهدف إحداث تمرد انفصالي ذو صبغة علوية في منطقة الساحل السوري.

 

تنافس مخلوف والحسن

وفقاً لتسريبات الجزيرة، يرعى رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري وابن خالة بشار، تشكيلاً عسكرياً يقوده قائد الفرقة 25 سابقاً في جيش النظام سهيل الحسن، وكلاهما يقيمان في روسيا، يعاونه في ذلك قائد اللواء 42 سابقاً غياث دلا، بينما أُسندت الشؤون المالية لأحمد دنيا. وللإشراف على العمليات عن قرب، أسس سهيل الحسن غرفة عمليات تدير المجموعات المزعومة من بلدة الحيصة ذات الأغلبية العلوية في سهل عكار شمال لبنان، على مقربة من الحدود مع سوريا، بينما يقيم الدلا ومهنا في لبنان أيضاً ليشرفا على عمليات التجنيد والتسليح بشكل مباشر.

في المقابل، تحدثت وكالة روتيرز عن أن مدير المخابرات سابقاً لدى نظام الأسد اللواء كمال الحسن أسس في بيروت “منظمة إنماء غرب سوريا”، والتي ترعى في الظاهر إيواء النازحين العلويين في لبنان بينما تستثمر نشاطها لرعاية العناصر الذين يجندهم ويديرهم الحسن. كما تعاقدت المنظمة مع مجموعات ضغط أمريكية في واشنطن، وذلك بهدف الدفع نحو تعزيز فكرة الحماية الدولية للأقلية العلوية في الساحل السوري.

هذا الانقسام في آليات العمل يشير إلى تنافس محموم بين كمال الحسن ورامي مخلوف حول تزعم الحراك الانفصالي العلوي في غرب سوريا، لكن أعداد المجندين التي وُصفت بالمبالغ فيها تعكس محاولة كثيرين الاستفادة من الدعم المادي الذي يقدمه كلا الرجلين حتى ولو مقابل تجنيد مزدوج أو اختلاق أعداد كبيرة من المجندين غير الموجودين حقيقة، ما يشكك في إمكانية نجاح خطة أي من الطرفين.

فبينما تحدثت تسريبات الجزيرة عن قرابة 160 ألف مقاتل يتبعون لمخلوف متوزعين بين حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، إلا أن العدد الوارد في تقرير رويترز لم يتجاوز 54 ألفاً، بينما يقود كمال الحسن 12 ألف مقاتل فقط في تفاوت كبير في الأعداد.

كما اتخذت الدولة السورية إجراءات ميدانية مشددة، حيث حفرت خنادق عريضة على طول الحدود مع شمال لبنان وأنشأت أبراج مراقبة تحتوي كاميرات حرارية، وبذلك حدت بشكل كبير من حركة التهريب التي قد يستغلها الفلول للتنقل بين الجانبين. ورغم أن هذه الإجراءات تجعل هامش الحركة لدى الفلول ضيقاً للغاية، إلا أنها تبقي هذا التهديد منحصراً في الأراضي اللبنانية ما قد ينعكس سلباً على الواقع الأمني هناك.

 

لبنان: الحديقة الخلفية الخرِبة

لم يكن وجود بعض ضباط جيش الأسد في لبنان مجهولاً قبل تسريبات الجزيرة، لكنها شكلت رأياً عاماً ضاغطاً دفع الجيش اللبناني للتحرك وتنفيذ مداهمات في بلدات سهل عكار ومنطقة جبل محسن في طرابلس، والتي أسفرت عن اعتقال بضع أشخاص فقط ما أوحى بكونها عمليات شكلية.

إذ لم يُعتقل أي من قادة المجموعات، بل سجلت منظمات إغاثية توافد نازحين جدد إلى بلدات وقرى في ضواحي طرابلس، كلهم من الرجال دون عوائل ويقيمون معاً في مستودعات وأقبية، في إشارة إلى انتقال عناصر مشتبه بهم من مخابئهم في جبل محسن وسهل عكار إلى أماكن جديدة هرباً من مداهمات محتملة.

في جبل محسن بطرابلس، حيث الحديث عن وجود كبير للفلول، يكمن الخوف من إمكانية اندلاع مواجهات ذات طابع طائفي مع المحيط السني حول الجبل، وهو أمر غير مستبعد في ظل خطوط التماس الثابتة بين الجانبين منذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1989)، وجولات القتال التي دارت بينهما بين عامي 2008 و2015. وعلى خلاف المعارك السابقة التي اقتصرت على جبل محسن ومحيطه في طرابلس، فإن نشاط الفلول في سهل عكار شمالاً وضواحي طرابلس ينذر بإمكانية توسع رقعة المواجهات فيما لو اندلعت، ما قد يحول شمال لبنان إلى ساحة مواجهة مشتعلة. قد يفتقر عناصر جيش الأسد وضباطه لكثير من مقومات المواجهة، لكنهم لا يفتقرون للخبرات القتالية ومعرفة استخدام الأسلحة النوعية وأساليب حرب العصابات، ما يجعل المواجهة مكلفة للغاية.

اللافت أن تسريبات الجزيرة كشفت عن وجود 20 طياراً بقيادة اللواء محمود حاصوري في لبنان، يقيمون حتى الآن في فندق ويطلبون المساعدة من سهيل الحسن “بعدما تخلى عنهم الإيرانيون”، ما يعكس غياب دور حزب الله كحليف محلي نظراً للضغوطات الأمنية والسياسية الكبيرة المفروضة عليه بفعل الهجمات الإسرائيلية المستمرة.

 

عجز رسمي

تذكر المداهمات التي نفذتها الدولة اللبنانية بسلوكها في التعاطي مع جرحى فصائل الثوار خلال السنوات الأولى للثورة السورية، حيث كانت الموازين الطائفية التي تتحكم بالمشهد اللبناني قيداً يمنع الأجهزة الأمنية من اعتقال الثوار. لكن هذا القيد تلاشى بعد أربع سنوات من بدء الثورة، وذلك مع تبدل ميزان القوى في سوريا لصالح نظام الأسد، وتراجع الدعم الشعبي والحركي للثورة في الداخل اللبناني.

ولذلك، فإن القيود التي تمنع الدولة من ملاحقة فلول الأسد في لبنان، بدءً من الموازين الطائفية الحساسة ومروراً بالغطاء الخارجي لحقوق الأقليات كل ذلك قابل للتبدل بتبدل المصالح وموازين القوى والسياسات. لكن الثابت الوحيد هو الخطر الأمني الذي يشكله وجود هؤلاء في ساحة معقدة طائفياً كلبنان، خاصة مع استعداد عدد لا بأس به من هؤلاء لمواجهة الجيش والأجهزة الأمنية.

لكن وحتى الآن، فإن التقاطع الأقلوي الحاصل بين ميليشيات السويداء الدرزية ومجموعات الفلول ذات الأغلبية العلوية تنعكس على الواقع اللبناني بتقاطع مماثل، حيث تدعم شريحة واسعة من دروز لبنان يمثلها الوزير السابق وئام وهاب مع السويداء، ما قد يوفر حليفاً لبنانياً مناسباً للفلول يمنع من رفع الغطاء الأمني والسياسي عنهم. وسينعكس ذلك على العلاقات السورية- اللبنانية التي لا زالت في مرحلة إعادة التأهيل، فاستخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لتهديد استقرار سوريا قد يدفع حكومة دمشق نحو إجراءات تصعيدية قد تشمل إغلاق الحدود والعمل الأمني لاستهداف قادة الفلول في لبنان.

في المحصلة، لا تبدو الحكومة اللبنانية قادرة على حسم هذا الملف بالطرق التقليدية، ما يرجح أنها قد تحتوي الأمر بالمتابعة الأمنية وبعض الإجراءات الشكلية فحسب لإسكات الرأي العام، بانتظار أي تحول مؤثر في المشهد خاصة على الساحة السورية.

شارك المقالة
مقالات مشابهة