يمثل إعلان الرئيس الأمريكي ترامب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن انطلاق مفاوضات “مباشرة” بين واشنطن وطهران يوم السبت القادم نقطة تحوّل استراتيجية في مسار طويل من المواجهة والنفي المتبادل. هذه الخطوة، التي تأتي بعد سنوات من التصعيد، لا يمكن قراءتها ضمن إطار براغماتي محدود أو كمجرد مناورة تكتيكية، بل هي تعبير عن تغير في منطق السلوك الإيراني نفسه، سلوك دولة تجد نفسها مضطرة لإعادة تعريف خياراتها تحت ضغط متغيرات متعددة داخلية وإقليمية ودولية.
لطالما قدّمت إيران موقفها السياسي الرافض للتفاوض مع واشنطن بوصفه موقفًا مبدئيًا يرتبط بهوية النظام نفسه، لا بمصالح مرحلية. في يونيو 2019، حين زار رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي طهران حاملاً رسالة من الرئيس الأمريكي آنذاك، لم تكتفِ القيادة الإيرانية برفض محتوى الرسالة، بل امتنعت عن استقبالها تمامًا، في رسالة دبلوماسية تعني أن النظام يعتبر التواصل مع واشنطن في ذاته عملاً غير مشروع أخلاقيًا وسياسيًا. وأكد المرشد الأعلى خامنئي لاحقًا أن “ترامب لا يستحق حتى أن يُردّ على رسائله”. هذا الإطار العقائدي العلني للتعامل مع ملف المفاوضات شكّل لعقود حجر الزاوية في سردية “الممانعة” الإيرانية، والتي تستمد مشروعيتها من رفض “الهيمنة الأمريكية” لا من النتائج التفاوضية نفسها.
غير أن هذا الموقف بدا فجأة وكأنه ينقلب على ذاته، حين أعلنت طهران استعدادها للدخول في مفاوضات غير مباشرة بوساطة عمانية. هنا، لا يمكن الاكتفاء بتفسير التغير عبر معادلات براغماتية سطحية، من نوع تأثير العقوبات أو إرهاق الاقتصاد، بل لا بد من الذهاب إلى أبعد من ذلك نحو تحليل البنية الإستراتيجية للقرار الإيراني نفسه، وموقعه ضمن البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة.
إن انتقال موقع المفاوضات من فيينا وجنيف، مقر اللقاءات الطويلة بين إيران والقوى الكبرى منذ عام 2013، إلى العاصمة العُمانية مسقط ليس مجرد تعديل جغرافي في مكان الاجتماع، بل هو إشارة عميقة على تراجع معادلة القوى التفاوضية السابقة، وتحوّل في ميزان الرمزية الدبلوماسية التي كانت تُدار بها مفاوضات الملف النووي الإيراني.
لقد كانت فيينا تمثل منذ انطلاق مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مسرحًا دبلوماسيًا دوليًا يعكس من جهة وزن القوى الكبرى، لا سيما الثلاثي الأوروبي (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) إلى جانب الصين وروسيا، ومن جهة أخرى احتضانًا أمميًا لفكرة الاتفاق بوصفه أحد منجزات الشرعية الدولية. لكن مغادرة فيينا وجنيف واستبدالهما بمسقط تحمل رمزية مضادة هي تراجع الوزن الأوروبي في الملف، وانكفاء الصين وروسيا، وصعود النمط التفاوضي الضيق الذي تحصره واشنطن وطهران في نطاق ثنائي، يتجاوز، أو يستبعد، الفاعلين التقليديين الذين ساهموا في صياغة الاتفاق الأصلي.
الرسالة الأعمق من هذا الانتقال تكمن في أن واشنطن وطهران، رغم تباعد مواقفهما، تتشاركان إدراكًا ضمنيًا بأن الإطار التفاوضي القديم قد استُنفد. بل إن مجرد استبعاد الأطراف الخمسة الآخرين من هذه الجولة من المحادثات يشير إلى إعادة صياغة مبدئية لفلسفة التفاوض نفسها، من اتفاق جماعي(Multilateral Accord) قائم على توازنات دولية، إلى تفاهم ثنائي (Bilateral Understanding) يتشكل في ظل نظام دولي هش، ويتكئ على منطق الضرورة لا القناعة.
السؤال المحوري هنا: لماذا قَبِلت إيران هذا الانحراف عن المشهد التفاوضي الذي ساعدها سابقًا على تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة؟ والإجابة في عمقها تعود إلى اختلال البيئة الاستراتيجية التي كانت تؤمّن لطهران نوعًا من المظلّة التفاوضية، والتي تسمح لها بالمراوغة، والمناورة، ورفع السقف دون أن تُعاقب. اليوم، ومع تصاعد وتيرة العقوبات، ومعاناة الداخل اقتصادياً، وتضاؤل قدرة الحلفاء من غير الدول على التأثير، ومع تزايد التهديدات الإسرائيلية والأمريكية العلنية بضرب المنشآت النووية، باتت القيادة الإيرانية أكثر ميلًا للانخراط في تفاوض “فردي”، حتى لو بدا ذلك مسًا بمبدأ السيادة الجماعية أو انكفاءً عن التحالفات التقليدية.
كيف غيّرت طهران عقيدتها السياسية؟
لفهم التحول الإيراني من الرفض القاطع لأي حوار مع الولايات المتحدة إلى القبول الضمني بالمفاوضات غير المباشرة في سلطنة عمان، لا يكفي التوقف عند تصريحات علي خامنئي المرشد الأعلى الذي وصف قبل أقل من شهرين التفاوض مع واشنطن بأنه «غير مشرف» و«وغير عقلاني» و«لا يستطيع حل أي مشكلة لإيران»، بل لا بد من الغوص في البنية المؤسسية الداخلية للنظام الإيراني، وتحديدًا في توازن القوى بين مختلف مراكز السلطة. في إيران، لا تُتخذ القرارات المفصلية على مستوى شخص واحد فقط، بل تُطبَخ داخل مثلث سلطوي معقد تحت إشراف المرشد يضم: ١) الحكومة، ٢) المؤسسة العسكرية والأمنية، ٣) الدولة الموازية المرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي والمقاومة الأيديولوجية.
مع انتخاب مسعود بزشكيان، المعتدل نسبيًا والمعروف بمواقفه الإصلاحية، بدأت تظهر ملامح براغماتية جديدة في سلوك الحكومة الإيرانية. بزشكيان لا يمثل فقط انتصارًا انتخابيًا لتيار أقل تشددًا، بل يعبر عن استعادة جزئية لصوت كان مغيبًا في سنوات حكم إبراهيم رئيسي. منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، عبّر بوضوح عن قناعته بأن الخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة يمر عبر ممر التفاوض، وأن تحسين معيشة الإيرانيين يستدعي التفاعل مع النظام الدولي، وليس التصادم معه. هذه القناعة ليست جديدة داخل التيار الإصلاحي، لكنها تعود الآن إلى الواجهة، مما يضيف إلى رصيد الحكومة زخمًا شعبيًا لا تستطيع بقية مؤسسات الدولة تجاهله.
القوة الثانية التي يجب النظر إليها بتمعن هي المؤسسة العسكرية، وتحديدًا الحرس الثوري الإيراني. تاريخيًا، كان يُنظر إلى الحرس الثوري باعتباره معارضًا لأي تقارب مع الولايات المتحدة، بل كحارس لعقيدة “العداء البنيوي” مع واشنطن. غير أن التطورات التي أعقبت الحرب في غزة ولبنان وسقوط نظام الأسد، أدت إلى تراجع النبرة الأيديولوجية لصالح حسابات أمنية وعسكرية أكثر واقعية. لقد فهم القادة العسكريون، وفي مقدمتهم اللواء محمد باقري، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية أن التصعيد دون أفق تفاوضي قد يجر البلاد إلى مواجهة مفتوحة مع قوى كبرى، لن تكون نتيجتها مجرد معركة خاسرة، بل قد تهدد بنية النظام نفسه. تصريح باقري قبل أيام، والذي عبّر فيه عن دعمه للمفاوضات غير المباشرة في عمان، لا يمكن قراءته كتصريح عابر، بل كمؤشر على تبدل مواقف عميقة داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية في ظل الحصار التقني والتفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي المشترك.
أما الضلع الثالث من المثلث، فهو “الدولة العميقة الاقتصادية”، المكوّنة من شبكات بيروقراطية وتجارية وأمنية تستفيد من استمرار العقوبات وتعيش على اقتصاد الظل، من تهريب البضائع، إلى التلاعب بالعملات، إلى التجارة السوداء للسلاح والنفط. هذه الطبقة لا يهمها مصير البرنامج النووي بقدر ما يهمها استمرار بيئة التوتر التي تبرر وجودها وتمكّنها من التحكم بمسارات التمويل والقرار. وهي تميل إلى دعم “الهستيريا الأيديولوجية” عبر وسائل إعلام محسوبة على التيار الثوري، لكنها لا تمثل القوة الكاسحة داخل النظام بقدر ما تمثل كتلة تشويش وصوتًا معارضًا لأي انفتاح قد يسحب من تحتها بساط السيطرة الاقتصادية.
الجدير بالملاحظة، أنه حين تتلاقى الحكومة الإيرانية (بقيادة بزشكيان) مع المؤسسة العسكرية في خيار التفاوض، ويعجز التيار الاقتصادي العقائدي عن قلب المعادلة، يصبح حتى المرشد الأعلى، رغم قناعاته الشخصية، مضطرًا للتعامل مع الواقع المتغير. من هنا، يبدو أن خامنئي، بعد ضغوط من أكثر من جهة داخل النظام، قبل على مضض بفكرة الانخراط في مفاوضات محدودة، دون أن يتراجع علنًا عن خطابه السابق. هذا التباين بين الخطاب والممارسة يعكس جوهر العقلانية السياسية الإيرانية في لحظات الخطر والقائمة على أن النظام لا يعترف بالخطأ، لكنه يعيد صياغة خياراته عندما تهدد التكاليف وجوده.
وبالتالي، نحن لا نشهد تغييرًا أيديولوجيًا في طبيعة النظام، بل تحريكًا مدروسًا لموازين القرار، بحيث تتم إعادة تعريف “ما هو مسموح” و”ما هو ضروري” في لحظة سياسية حرجة. ما يحدث الآن هو لحظة نادرة في السياسة الإيرانية، حيث تسمح التوازنات الداخلية بخلق “نافذة مرونة” يمكن أن تتسرب منها تسوية ما، بشرط أن تتفادى الولايات المتحدة استفزاز النظام عبر مطالب قصوى، مثل تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني أو استنساخ النموذج الليبي لتفكيك البرنامج النووي بشكل كامل.
إسرائيل خارج غرفة القرار: نتنياهو بين فشلين استراتيجيين
في كل المسارات التي تخص البرنامج النووي الإيراني، كانت إسرائيل لاعبًا أساسيًا، وإن من خارج طاولة التفاوض. لطالما سعت تل أبيب إلى التأثير على مسار التفاهمات الأمريكية–الإيرانية، إما عبر تصعيد الضغوط السياسية داخل واشنطن، أو من خلال تلويح متكرر بخيارات عسكرية أحادية. لكن التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن إسرائيل، وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، باتت في موقع رد الفعل، لا التأثير، في لحظة تفاوض حساسة قد تعيد تشكيل المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وقد ظهر هذا بشكل واضح في المؤتمر المشترك الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي مع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض.
يبدو أن نتنياهو واجه خلال الأسابيع الماضية فشلًا مزدوجًا في محاولاته التأثير على إدارة الرئيس ترامب:
أولًا، فشل في دفع الإدارة الأمريكية نحو مواجهة مباشرة مع إيران، رغم سلسلة من التصريحات العلنية والتقارير الاستخباراتية التي قدّمتها تل أبيب للبيت الأبيض. ورغم اللقاءات المكثفة التي عقدها نتنياهو في واشنطن مؤخرًا، بما فيها القمة التي وصفها بأنها “حاسمة”، لم ينجح في حشد التأييد الأمريكي لعملية عسكرية، سواء محدودة أو شاملة. ويعود ذلك جزئيًا إلى إدراك واشنطن بأن الانخراط في صراع جديد في الشرق الأوسط، في لحظة تصاعد توترات مع الصين وروسيا وحرب التعريفات الجمركية لا يتماشى مع أولوياتها الجيوسياسية الأوسع.
ثانيًا، فشل نتنياهو أيضًا في إقناع ترامب بتبني النموذج الليبي في التعامل مع إيران – أي الدعوة إلى اتفاق يشبه ما وقّعه العقيد معمر القذافي عام 2003، حين تخلى طوعًا عن برنامجه النووي مقابل تطبيع سريع مع الغرب. هذا الطرح، الذي حاول نتنياهو تسويقه باعتباره “نموذج الردع الناجح”، لم يلق قبولًا من الجانب الأمريكي، لأسباب تتعلق بخصوصية الحالة الإيرانية، وبقناعة واشنطن أن طهران، على عكس طرابلس في 2003، تملك شبكة نفوذ إقليمي معقدة تجعل من تفكيك برنامجها الاستراتيجي مسألة بالغة الحساسية داخليًا وخارجيًا.
أكثر من ذلك، يبدو أن إدارة ترامب فضّلت تحييد العامل الإسرائيلي عن المحادثات الجارية في مسقط، سواء من حيث المحتوى أو من حيث التنسيق المباشر. هذا التجاهل النسبي، وإن لم يكن قطيعة، يعكس تحولًا لافتًا هو أن واشنطن تريد أن تُبقي المفاوضات في إطار مغلق، لا يخضع لتأثيرات حلفاء قد يدفعون نحو تصعيد غير محسوب.
تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الاستراتيجية لصنّاع القرار في طهران. فبينما التزمت إيران لفترة طويلة ببنود الاتفاق، بما في ذلك تقليص نسبة تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي، فإن انسحاب واشنطن الأحادي عام 2018، دون تكلفة سياسية أو قانونية حقيقية، مثّل صدمة مفاهيمية للقيادة الإيرانية. لم يكن الأمر مجرد انتكاسة في العلاقات، بل ضربة مباشرة لفكرة إمكانية بناء اتفاق دولي يحظى بالاستقرار، ويمنح طهران الأمان الاقتصادي والاستراتيجي الذي تطمح إليه.
لذلك، فإن طهران لم تعد تميل نحو بناء اتفاق “نهائي” طويل الأجل، ما لم تقترن التزامات واشنطن بضمانات تنفيذية وواقعية، تتجاوز توقيع الإدارات إلى منظومات مؤسسية، سواء عبر الكونغرس أو آليات دولية ملزمة. هذا الحذر نابع ليس فقط من مخاوف انهيار الاتفاق مرة أخرى، بل من إدراك أعمق لطبيعة السياسات الداخلية الأمريكية، وتذبذبها الحاد بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية.
هناك ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تنشأ عن هذه المفاوضات:
طهران تدرك أن الزمن لم يعد يعمل لصالحها كما في السابق. التحديات الاقتصادية تتصاعد، التهديدات الأمنية تتعقّد، وحلفاؤها الإقليميون والدوليون ليسوا اليوم في موقع يمكنهم من تأمين الغطاء الكافي لمناورات طويلة الأمد. وفي الوقت ذاته، تدرك واشنطن أن إيران ليست على وشك الانهيار، وأن خيارات القوة الخشنة محفوفة بكلفة عالية وغير مضمونة النتائج.
وسط هذه المعادلة الدقيقة، يشكل التفاوض الجاري لحظة اختبار مزدوجة، اختبار لقدرة الطرفين على تكييف استراتيجياتهما مع الوقائع الجديدة، واختبار لمرونة النظام الدولي نفسه في إنتاج تفاهمات مستقرة خارج نماذج الحرب الباردة أو اتفاقات ما بعد الهيمنة.