تقوم تركيا بإعادة توجيه سياستها في العراق من نهج يركز على الأمن إلى مقاربة قائمة على التكامل الاقتصادي وتطوير البنية التحتية. هذا التحول يهدف إلى توسيع نفوذ أنقرة الإقليمي في ظل تراجع قوة إيران وانسحاب تدريجي للوجود الأميركي، مما يمهد لمنافسة متنامية مع دول الخليج على المدى الطويل.
صرح مسؤولو وزارة النفط العراقية في 21 يوليو أن تركيا قدمت لبغداد اتفاقًا جديدًا لتوسيع اتفاقية خط أنابيب النفط الخام العراق–تركيا لعام 1973، ليشمل التعاون في مجال الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والكهرباء. يأتي هذا المقترح بعد مرسوم أصدره الرئيس رجب طيب أردوغان في اليوم نفسه يعلن فيه أن الاتفاقية ستُنهى في 27 يوليو 2026 بعد انتهاء مدتها. ورغم ذلك، أكدت أنقرة أنها لا تعتزم التخلي عن الخط بالكامل، مشيرة إلى استثماراتها الضخمة في صيانته.
تركيا تتحول من سياسة أمنية في العراق وسوريا إلى استراتيجية أوسع تقوم على التكامل الاقتصادي وتعزيز النفوذ الإقليمي، مستفيدة من نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وضعف إيران، وانسحاب القوات الأميركية. لسنوات، ركزت أولويات أنقرة على تحييد الحزب الكردستاني وحركات الانفصال الكردية، عبر توسيع وجودها العسكري في كردستان العراق واستهداف قواعد الحزب في جبال قنديل. صعود داعش بين 2014 و2017، والحرب الأهلية السورية، دفعا تركيا لتأمين حدودها المتقلبة وإقامة مناطق عازلة. لكن خلال العامين الأخيرين، سعت أنقرة إلى السلام مع الحزب، الذي أعلن في مايو حل نفسه وبدء نزع السلاح رسميًا في 11 يوليو 2025. تراجع داعش، وسقوط نظام الأسد في 2024، وإضعاف إيران بعد حرب غزة، كلها عوامل سمحت لتركيا بأن تكون أكثر طموحًا في إعادة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا ولبنان.
طريق التنمية العراقي يمثل ركيزة التحول التركي، حيث تسعى أنقرة لأن تصبح ممرًا رئيسيًا بين الخليج وأوروبا. زيارة أردوغان إلى بغداد في أبريل 2024 – الأولى منذ 2011 – ركزت على المشروع البالغ 17 مليار دولار، الذي يربط ميناء الفاو بخطوط سكك حديدية وطرق وصولًا إلى تركيا. الاتفاقية الجديدة ستشمل عناصر من المشروع، بما في ذلك توسيع خطوط الأنابيب وشبكات الكهرباء. يرى المسؤولون الأتراك والعراقيون المشروع أكثر واقعية من مشاريع برية منافسة، مثل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا المدعوم أميركيًا، أو الممر الشمالي–الجنوبي عبر إيران. العقوبات الغربية، ورفض السعودية التطبيع مع إسرائيل، تقللان فرص نجاح المشاريع المنافسة.
رغم ذلك، تواجه طريق التنمية عوائق مالية ولوجستية كبيرة؛ العراق غير قادر على تمويل المشروع وحده، والجدوى الاقتصادية قد لا تتفوق على النقل البحري. لكن مكونات الطاقة تبدو أكثر واقعية. في ديسمبر، وافق مجلس الوزراء العراقي على عقد بقيمة 4.6 مليار دولار لتطوير خط أنابيب البصرة–حديثة بطاقة 2.2 مليون برميل يوميًا. من هناك، أمام العراق عدة خيارات لنقل النفط غربًا، بينها خطوط إلى الأردن وسوريا. تركيا تأمل في ربطه بخط الأنابيب إلى جيهان ضمن المشروع، وهو خيار أقل خطورة لكنه يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرها داعش.
تركيا والعراق يعملان أيضًا على وسيع تجارة الكهرباء، خاصة بعد انتهاء الإعفاء الأميركي في مارس 2025 الذي سمح للعراق باستيراد الكهرباء من إيران. تحسين شبكة الكهرباء من خلال المشروع سيخفف أزمات الانقطاع التي فجرت احتجاجات شعبية. لكن المخاطر الأمنية قائمة، إذ قد تستهدف ميليشيات موالية لإيران البناء إذا رأت في المشروع تهديدًا لنفوذ طهران، وقد تهاجم فصائل رافضة لتفكيك الحزب الكردستاني طرق التجارة للضغط على أنقرة.
حتى لو حقق مشروع طريق التنمية أهدافه بشكل متواضع، فإن تعميق الروابط في مجال الطاقة والتكامل الاقتصادي بين العراق وتركيا سيساعد على ترسيخ النفوذ المتزايد لأنقرة في العراق وسوريا على حساب كل من إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. إن الروابط الاقتصادية الأوثق بين العراق وتركيا، خصوصًا في مجال الكهرباء، تمثل تحديًا مباشرًا للنفوذ السياسي الإيراني في بغداد، وهو النفوذ الذي بنت عليه طهران مكانتها خلال العقد الماضي. سيزيد ذلك من قدرة بغداد على مقاومة مطالب طهران ويقوي موقف الفصائل السياسية العراقية التي تدعو إلى تراجع النفوذ الإيراني.
وفي ظل حالة الضعف التي تعيشها إيران بسبب صراعها مع إسرائيل، فإنها على الأرجح غير قادرة على مواجهة النفوذ التركي المتنامي إلا من خلال الاعتماد على ترهيب تمارسه الميليشيات الموالية لها. ومع ذلك، من المرجح أن يدرك حتى السياسيون الموالون لإيران في العراق حاجة البلاد إلى تنويع مصادر طاقتها وشبكات النقل لديها، خاصة مع تشديد الولايات المتحدة لإنفاذ العقوبات داخل العراق.
كما أن قطاع البناء التركي في وضع جيد للغاية للاستفادة من فرص إعادة الإعمار في العراق، في الوقت الذي تدفع فيه بغداد بمشاريع إعادة البناء في المدن المدمرة مثل الموصل بعد الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كذلك، فإن الروابط الاقتصادية والسياسية المتنامية لتركيا مع بغداد من المرجح أن تتزامن مع لعب أنقرة دورًا رئيسيًا في تشكيل الحكومة السورية المستقبلية وبناء علاقات وثيقة معها. قطاع البناء التركي أيضًا مستعد للاستفادة من أي أموال أجنبية مخصصة لإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية السورية.
وعند النظر إلى الصورة الكاملة، فإن التوسع المتزايد لتركيا في سوريا والعراق من المرجح أن يعيد إحياء المنافسات القديمة مع مجلس التعاون الخليجي بمرور الوقت، وقد يؤدي إلى إعادة إشعال المنافسة بين القوى السنية الإقليمية التي شكّلت تاريخيًا ملامح الشرق الأوسط ولكنها ظلت هادئة خلال السنوات الخمس الماضية. النفوذ التركي المتنامي في المنطقة سيكون تهديدًا مباشرًا لدول الخليج؛ فتركيا، بخلاف إيران، تستطيع أن تعتمد على مكانتها كحكومة سنية لتصدير الأيديولوجيا والنفوذ بطريقة لا يمكن لطهران – وهي نظام شيعي – أن تحققها، نظرًا للانتشار الجغرافي الأوسع للإسلام السني مقارنة بالإسلام الشيعي الذي يتركز بشكل أكبر حول العراق وسوريا ولبنان وإيران.
أما العلاقات المتنامية بين تركيا وبغداد، فإنها تُلحق ضررًا كبيرًا بإقليم كردستان العراق، الذي استغل في منتصف العقد الماضي الخلاف بين بغداد وأنقرة لتعزيز اتصالاته الاقتصادية مع تركيا وتقليل اعتماده الاقتصادي على بغداد. لكن مع دعم تركيا الحالي لبغداد بشكل أكثر صلابة، فإنها تدعم بالتالي جهود الحكومة العراقية لتعزيز المركزية ضد إقليم كردستان.