تُعتبر العلاقة بين الملياردير الأغنى ومؤسس الشركات الأشهر: “تسلا، سبيس إكس” إيلون ماسك، وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، واحدة من أكثر العلاقات إثارة للجدل. ويهدف هذا المقال التحليلي إلى إلقاء الضوء على ماهية تلك العلاقة، تاريخها وحاضرها ومستقبلها وسيناريوهاتها المحتملة.
كان ماسك مؤيدا للديمقراطيين، حيث أيد ودعم أوباما في انتخاباته الرئاسية في فترتيه، كما ساند ودعم هيلاري كلينتون ضد ترامب في انتخابات عام 2016، لكن تحولا طرأ في أفكار ماسك جعله يعلن الحرب على اليسار ويبالغ في تأييد اليمين ودعم الجمهوريين نُفورا من سياسات الديمقراطيين بعد أن سيطر عليهم اليسار الجديد الذي تطرف في دعم وتشجيع الشذوذ والتحول والتعدد الجنسي وهو ما تضرر منه ماسك شخصيا في ابنه المتحول إلى فتاة، كما أن الديمقراطيين توسعوا في فرض الضرائب على الدخل وعلى الأغنياء، وبالغوا في التنظيم وفي القيود الحكومية المتزايدة.
أعجب ماسك بأفكار ترامب وقرر أن يسانده في حربه ضد اليسار الجديد، وأن يدعمه في الانتخابات الرئاسية ضد كاميلا هاريس، وأسس شركتين متخصصتين لدعم نشاطه السياسي، وتبرع لحملة ترمب بحوالي 274 مليون دولار وفقا لبلومبيرج ليصبح من أكبر المتبرعين والداعمين، وركز جهوده في الولايات المتأرجحة عموما وولاية بنسلفانيا خصوصا، وأصبح صديقا مقربا ومستشارا وشريكا موثوقا للرئيس ترامب، من أجل إعادة الإمبراطورية الأمريكية عظيمة قوية على حد زعمهما.
يسعى ماسك من وراء هذا التعاون والتحالف الاستراتيجي للاستفادة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية لترمب التي تعزز من نمو شركاته ومن تحقيق أحلامه في تغيير الكون، والحصول على إعفاءات وحوافز ضريبية وتسهيلات تتعلق بتراخيص الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، ومنها ما يخص التوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المستدامة واستكشاف الفضاء، وعقود إضافية مع الحكومة الأمريكية خاصة في المشاريع الفضائية والعسكرية.
في يناير 2025 أصدر ترامب قرارا بتعيين ماسك الذي وصفه بالعبقري وبالصانع العظيم، مستشارا لترامب ورئيسا لهيئة أو لجنة الكفاءة الحكومية التي تهدف إلى خفض التكاليف الحكومية بما لا يقل عن 2 تريليون دولار من الميزانية الفيدرالية، وتنتهي من مهمتها قبل يوم 4 يوليه 2026 الذي يعلن فيه تشكيل حكومة أصغر وأكثر كفاءة وأقل بيروقراطية.
أي أنها هيئة جديدة لتفكيك البيروقراطية وخفض النفقات وهيكلة الوكالات الفيدرالية. وهي هيئة متخصصة تهدف أيضا إلى تحسين الكفاءة في العمليات الحكومية وتعزيز الابتكار من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة، على النحو التالي:
أ. تحسين الكفاءة الحكومية بتبسيط الإجراءات البيروقراطية وتقليل الوقت المستغرق في الإجراءات بنسبة تصل إلى 40%، وفقًا لتقارير تحسين الأداء الحكومي، وتطبيق التكنولوجيا واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي .
ب. تعزيز الشفافية بنشر المعلومات وإنشاء منصات رقمية لعرض معلومات الحكومة وميزانياتها بشكل شفاف، ما يعزز الثقة بين الحكومة والمواطنين وإنشاء نظام لمساءلة المسؤولين.
ج. تحفيز الابتكار والإبداع وإقامة شراكات مع الشركات الناشئة والتكنولوجية.
د. تطوير المهارات البشرية واستقطاب الكفاءات.
• التحديات:
أ – المقاومة الداخلية والخارجية للتغيير:
تواجه الهيئة الناشئة مقاومة من قبل الموظفين الحكوميين الذين يفضلون الطرق التقليدية في العمل، مما قد يعيق تنفيذ الإصلاحات.
ب – السياسات الحمائية لترامب والتصريحات المثيرة للجدل لترامب وماسك بخصوص أوروبا، وكندا والمكسيك والصين والدنمارك تؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا على سيارات تسلا وعلى منتجات شركاته الأخرى.
ج – تعقيد النظام الحكومي مما يتطلب وقتًا وتعديلًا قانونيًا لتسهيل تحقيق التغييرات المطلوبة.
د – تحديات في تطبيق التكنولوجيا بسبب نقص البنية التحتية، أو عدم توفر المهارات.
هـ – الانتقادات الواسعة لماسك بسبب تصريحاته المثيرة للجدل، مما أثر على صورته العامة. ففي استطلاع أجرته “YouGov” في فبراير 2025، أظهر أن 70% من الناخبين الديمقراطيين لديهم رأي سلبي عنه، فيما أكدت نتائج استطلاع الإيكونومست أن 50% من الأمريكيين يتحفظون على أي تأثير لماسك في إدارة ترامب بما يظهر تراجعا في سمعته داخليا وخارجيا.
كما أنه يتعرض لاستهداف من كارهي ترامب وتخرج المظاهرات المنادية بمقاطعة شركاته والإضرار بها.
وحتى في شركة تسلا فقد نظم الموظفون احتجاجات ضد سياسات العمل في الشركة، وفي استطلاع داخلي أجرته تسلا في يناير 2025 أظهر أن 40% من الموظفين يشعرون بعدم الرضا عن بيئة العمل، ما يعكس الحاجة الملحة لتحسين ظروف العمل والتواصل مع الموظفين، وما يعد نتيجة لانشغال ماسك بالسياسة عن إدارة شركته.
و- تطورات الوضع المالي في أمريكا :
في الأشهر الثلاثة الأولى من ولاية ترامب خسرت البورصة الأمريكية أكثر من 8 تريليون دولار، مما أدى إلى انخفاض كبير في القيمة السوقية للشركات الكبرى. وفقًا لمؤشر داو جونز، تراجع المؤشر من مستوى 36,000 نقطة في بداية العام إلى حوالي 30,000 نقطة في مارس 2025. هذه الخسائر وما تلاها كان لها تأثير مباشر على إيلون ماسك، الذي تراجعت ثروته وخسر نحو 132 مليار دولار منذ بداية العام وفقا لمؤشر بلومبيرج للمليارديرات.
لأسباب اقتصادية تقع السياسة الأوروبية في بؤرة اهتمام ماسك. فقد أسهم فى الحملة الانتخابية الأخيرة فى ألمانيا وتبرع بمبلغ كبير، وانتقد المستشار أولاف شولتس من الحزب الديمقراطى الاجتماعى، ودعم حزب البديل من أجل ألمانيا اليمينى الشعبوى المتطرف الذي يدعو إلى انسحاب ألمانيا من الاتحاد الأوروبي ومن حلف شمال الأطلسي (الناتو). بشكل صريح فى مقال رأي لصحيفة “دى فيلت” الألمانية المحافظة، ووصفه بأنه “آخر شرارة أمل” لألمانيا، وبذل قصارى جهده لإنكار تصنيف الحزب على أنه يميني متطرف، لكن رئيسته وصفت هتلر بأنه “شيوعى” وهى أسطورة قديمة فى دوائر اليمين المتطرف، وقد أثارت تدخلاته موجة من الاستياء العام فى وسائل الإعلام الألمانية.
وقالت ساسكيا إسكين، الزعيمة المشاركة للحزب الديمقراطى الاجتماعى، في بيان في إشارة إلى ماسك: “أي شخص يحاول التأثير على انتخاباتنا من الخارج يجب أن يتوقع مقاومتنا الشديدة”.
نشرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن ماسك يدرس الإطاحة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، من منصبه قبل الانتخابات العامة المقبلة، الأمر الذى يثير قلق العواصم الأوروبية. كما حذر رئيس الوزراء الفرنسي علانيةً من التأثير السلبي لماسك على الديمقراطيات الأوروبية، مشيرًا إلى أن “إيلون ماسك يشكل تهديدًا للدول الديمقراطية، ولا ينبغي أن يكون للمال الحق في حكم الضمائر”.
وهذا التصريح يعكس توجها عاما في العواصم الأوروبية التي ترى في ماسك شخصيةً ذات نفوذٍ غير مسبوق، قادرة على التأثير على الرأي العام بفضل إمبراطوريته التكنولوجية والإعلامية، فماسك لم يعد مجرد رجل أعمال أو مستثمر، بل أصبح جزءًا من الإدارة الأميركية الجديدة، مما يعزز مخاوف الأوروبيين من تأثيره المتزايد على السياسة الدولية”.
وقديما كان ماسك يعمل فى منطقة رمادية، بين الشخصية العامة والشخصية الخاصة، فكانت تصريحاته محمية إلى حد كبير بقوانين حرية التعبير، إلا أن الوضع اختلف بعد توليه موقعا رسميا في إدارة ترامب.
إذا تمكنت إدارة ترمب من استعادة الثقة في الأسواق المالية وتحقيق استقرار اقتصادي، فقد تتطور العلاقة بين ماسك وترمب إلى شراكة مثمرة واستثمارات في تطوير بنية تحتية للطاقة المتجددة، ويعتبر ماسك شخصية بارزة عالميا قادرة على الإبداع، ويسعى ترمب لاستغلال هذه المكانة لتعزيز أجندته الاقتصادية، وجعله مستشارا رئيسيا له في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة، مما يؤثر بشكل إيجابي على السياسات المتعلقة بالاستثمار في هذه المجالات، وهو ما يحقق لماسك أيضا أهدافه الربحية، وبما ينمي العلاقة التكافلية ويزيد المصالح المتبادلة بينهما، فوفقًا لدراسة أجرتها McKinsey & Company فإن الشركات التي تستثمر في الابتكار يمكن أن تشهد زيادة في العائدات تصل إلى 20%.
ومع ذلك فقد تواجه العلاقة تحديات، حيث يمكن أن تؤدي الاختلافات في وجهات النظر حول القضايا الاقتصادية والسياسية إلى توترات. يشعر الكثير من رجال الأعمال بالقلق إزاء بعض السياسات الاقتصادية لترمب، مثل فرض الضرائب المرتفعة على الشركات. في دراسة أجرتها جامعة هارفارد، أظهر 65% من رجال الأعمال قلقهم من أن السياسات الحالية قد تؤثر سلبًا على الابتكار والاستثمار في التكنولوجيا، ولذلك يرى البعض أن الصراع بينهما حتمي وقادم إذا استمرت الضغوط الاقتصادية وتزايدت الانتقادات لسياسات ترمب، فقد يؤدي ذلك إلى تباين المصالح بين ماسك وترمب. إذا قرر ماسك اتخاذ مواقف علنية تجاه سياسات ترمب، خاصة في القضايا المتعلقة بتغير المناخ أو حقوق العمال، فقد تتعرض العلاقة للتوتر. في هذه الحالة، قد ينفصل ماسك عن الإدارة، مما يؤثر على قدرته على تحقيق أهدافه التجارية، كما أن استمرار استهداف شركاته قد يجعله يعيد تقييم تجربته السياسية ويتخارج منها بأقل خسارة.
3. المؤثرات الخارجية:
لا شك أن تطورات الأحداث العالمية لها دور في رسم مسار العلاقة، فعلى سبيل المثال، إذا زادت التوترات الجيوسياسية أو شهدت الأسواق العالمية مزيدًا من التقلبات، فقد يضطر ماسك وترمب إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم. في هذا السياق، قد يتعاون الاثنان في قضايا عالمية مثل تغير المناخ أو الاستدامة، مما يؤدي إلى تعاون في مجالات غير متوقعة.
لدى ماسك فرص كبيرة لمزيد من الانخراط الجاد في السياسة، فوفقًا لدراسة أجرتها “McKinsey & Company” فإن 75% من الأمريكيين يرون أن الابتكار التكنولوجي هو مفتاح تحسين الاقتصاد. وماسك قادر على أن يجذب دعمًا كبيرًا من الناخبين الذين يهتمون بقضايا مثل الابتكار والطاقة المتجددة.
لكن سيواجه ماسك تحديات سياسية. وفقًا لاستطلاع أجرته “Gallup” في عام 2025، أظهر أن 55% من الأمريكيين يعتبرون ماسك شخصية مثيرة للجدل، مما يعني أنه سيكون عليه العمل على تحسين صورته العامة.
وأخيرا تظهر علاقة إيلون ماسك ودونالد ترمب التوترات والانقسامات في المشهد السياسي الأمريكي. بينما يسعى ماسك إلى تعزيز الابتكار والنمو الاقتصادي، يركز ترمب على تعزيز القيم التقليدية وحماية المصالح الوطنية. إن النجاح في التغلب على التحديات يعتمد على قدرة كليهما على التكيف مع الظروف المتغيرة وتحقيق مصالح أغلب المعنيين.