خريطة المشهد السياسي والأمني في العراق

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
08/27/2025
شارك المقالة

 

تستعد العراق لإجراء انتخابات برلمانية في نوفمبر 2025، في وقت تشهد فيه الدولة تحديات سياسية وأمنية معقدة.  تتزامن هذه الانتخابات مع اهتزاز النفوذ الإيراني في المشهد السياسي الإقليمي وفي المشهد العراقي خاصةً، وفي ظل تفاقم الفساد وتضخم ظاهرة المال السياسي وغياب إرادة التوصل إلى حلول تضمن سلامة ونزاهة العملية الانتخابية. مما يثير تساؤلات كثيرة حول تأثير تلك العوامل  على سيادة واستقرار الدولة من جهة، وعلى شرعية البرلمان والحكومة القادمة من جهة أخرى.

 

أولا: المستجدات في الوضع الأمني:

تفيد بعض التقارير أن تنظيم الدولة (داعش) لايزال يشكل تهديدًا أمنيًا في العراق. وأن التنظيم ينفذ عمليات محدودة في مناطق نينوى وصلاح الدين، مستغلًا التضاريس الوعرة والفراغ الأمني.  تتراوح تقديرات عدد مقاتلي داعش النشطين حاليا من 1500 : 3000 مقاتل. وتسعى داعش إلى إعادة تشكيل خلاياها برغم ما تتعرض له من ضغوط عسكرية مستمرة وهو ما ينذر بانتكاسة أمنية. ذكرت رويترز أن تنظيم داعش بدأ بإحياء خلاياه النائمة في العراق وسوريا، بتجنيد عناصره وتوزيع الأسلحة، رغم إحباط السلطات لمخططاته ومنها محاولات تفجير انتحارية. ولذلك فإنه يجب تعزيز أمن مراكز الاقتراع والطرق اللوجستية ونشر قوات مدربة وتنسيق معلوماتي مع شركاء إقليميين ودوليين لمواجهة هجماتهم.

وهناك رأي آخر يهون من خطر داعش، ويعتبر أن الوضع الأمني مستتب، وأنها لم تعد تشكل تهديدا وأن خطرها قد زال، وأن بعض الميليشيات المحلية (الحشد الشعبي) هي التي تهوّل من أمر داعش حتى تبرر تفجيراتها وأعمالها التخريبية، كما أن القوات الدولية تستخدم سلاح التخويف من داعش في تهيئة المناخ الداعم لاستمرار وجودها في العراق.

الحشد الشعبي هو ائتلاف لمحاربة داعش تشكّل في 2014 من ميليشيات شيعية مدعومة من إيران. تغلغل في الدولة منذ تأسيسه وشارك في الحرب على تنظيم الدولة، وتضخمت قوته حتى بات متداخلا في مؤسسات الحكم، وأصبح يمتلك ثروات ونفوذ اقتصادي وأذرع سياسية. وفي عام 2016 وُضعت قوات الحشد السريع -رسميًا- تحت سيطرة الجيش العراقي، لكنها عمليًا ما زالت تعمل باستقلالية كبيرة. ويعتبر التعامل مع قوات الحشد الشعبي من أكثر القضايا تعقيدًا أمام السلطات العراقية.  نقلت وكالة إرم نيوز عن مصادر عسكرية أن قيادة عمليات نينوى تخطط لسحب مقرات “الحشد الشعبي” من بعض المناطق خلال الشهرين المقبلين، ضمن جهود لتحسين الأوضاع الأمنية والتحكم بالميليشيات المسلحة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها. ويهدف القرار إلى تقليص وجود الفصائل المسلحة تدريجياً في نينوى، تمهيداً لنقل التجربة إلى محافظات أخرى مثل الأنبار وصلاح الدين.  وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى إعادة ترتيب الوضع الأمني وسط تزايد شكاوى السكان المحليين، إلى جانب الانتقادات الدولية المستمرة بشأن تصاعد نفوذ الحشد الشعبي.

وفي ظل تصاعد الضغوط الأميركية التي تدعو إلى دمج الحشد الشعبي في المؤسسات الأمنية الرسمية، وإنهاء أي وجود مستقل للفصائل المسلحة، إذ تربط واشنطن استمرار دعمها للعراق في مجالات التدريب والتعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب بالتزام بغداد بتنفيذ هذه الخطوات.

ويُتوقع في سبتمبر 2025 أن تسحب الولايات المتحدة قواتٍ لها من العراق، وفقًا لاتفاق بين الحكومتين الأمريكية والعراقية وسط مخاوف من أن يؤدي هذا الانسحاب إلى فراغ أمني قد يستغله تنظيم داعش وغيره من الجماعات المسلحة.  ما جعل بعض القوى السياسية العراقية المرتبطة بالتحالف الشيعي، تدعو إلى بقاء القوات الأمريكية لضمان استقرار الوضع الأمني، ومن غير المرجح أن تُقْدِم واشنطن على انسحاب كامل في الظروف الراهنة، لأن العراق يمثل للولايات المتحدة ساحة نفوذ جيوسياسي تحتاجها في صراعها مع إيران. كما أن الموعد المتفق عليه للانسحاب الكامل هو عام 2026، أما سبتمبر القادم فهو موعد انسحاب جزئي. وقد صرح رئيس الحكومة العراقية أن “وجود قوات التحالف وفّر مبررًا للجماعات العراقية كي تتسلح”، لكنه أضاف أنه “بمجرد اكتمال انسحاب التحالف لن تكون هناك حاجة أو مبرر لأي مجموعة لحمل السلاح خارج إطار الدولة”.

يؤكد خبراء أن القوات الأميركية في بغداد تتأهب لاحتمالية اندلاع حرب، وتُعيد ترتيب انتشارها وسط احتمالية عودة العمليات العسكرية بين إيران وإسرائيل، في حين تتزايد إحباطات طهران من رفض بغداد الانخراط معها في أي صراع إقليمي. وفقًا لوكالة “إرنا” الإيرانية، تم إعداد مذكرة تفاهم أمنية مهمة بين بغداد وطهران، لكنها لم تُفصح عن تفاصيلها بالكامل. الأهداف المعلنة تشمل تعزيز تنسيق الأمن على الحدود ومنع الاختراقات الأمنية.

خلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة منشآت نفطية في إقليم كردستان العراق.  واتهمت السلطات الكردية جماعات في الحشد الشعبي بتنفيذ الهجمات. لكن السلطات في بغداد شككت في ذلك، دون أن تُحمّل أي طرف المسؤولية. ووصف السوداني تلك الهجمات بأنها “عمل إرهابي”، وأضاف “إن حكومته تعمل مع السلطات الكردية وقوات التحالف لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم”.  كما أثارت تلك الهجمات الشك في قدرة الحكومة على ضبط الجماعات المسلحة.

تأتي قضية النازحين داخليًا والمشكلات الإنسانية المترتبة عليها ضمن التحديات الأمنية، حيث تقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد النازحين داخليًا في العراق بحوالي مليون شخص، مع وجود أكثر من 100ألف منهم في21مخيمًا في إقليم كردستان.في عام 2024، عاد 56 ألف نازح إلى مناطقهم الأصلية، مما يشير إلى تحسن تدريجي في الوضع الأمني.

 

ثانيا: ظاهرة المال السياسي:

ينظم قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 2015 قواعد وضوابط استخدام المال الانتخابي، كما تعتبر تعليمات مفوضية الانتخابات (IHEC) ذات أهمية في ذلك، كما أن هناك لوائح تنظم سقف الإنفاق وإيداع التبرعات في حسابات الحملة، لكن آليات الإفصاح والتدقيق بقيت ضعيفة التنفيذ  فبعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة انتخابات 2021 رصدت قصورًا في الشفافية والرقابة على الدعاية والتمويل السياسي، وهذه المشكلات قد تفاقمتم ويُرجَّح تضخّم أثرها في انتخابات 2025

ولأن قانون الانتخاب المعدَّل في مارس2023 يعزّز حظوظ الكتل الكبيرة ويزيد الحوافز للإنفاق الانتخابي المكثّف لتجميع الأصوات في الدوائر الواسعة. وهذا يرفع العائد المتوقع من كل دينار انتخابي!

ويؤكد ازدياد تأثير المال السياسي سِجِل ترتيب العراق في مؤشر إدراك الفساد للعام 2024–2025، الذي يُظهر أن ترتيب العراق جاء في المرتبة 140 من أصل 180 دولة يشملها المؤشر، ما يعني بيئة مواتية لشراء الولاءات والخدمات مقابل الأصوات.  وهناك آليات فساد شائعة رُصدت في تقارير موثوقة، منها تقديم رعاية وخدمات ووظائف مؤقتة قبل الاقتراع فضلا عن تحويلات نقدية مباشرة. واستغلال موارد الدولة والإعلام والدعاية المدفوعة مع ضعف الإفصاح والضبط. وهناك شراء أصوات وتخويف وفقا لتقارير حقوقية.

ويظهر المال بقوّة في العاصمة بغداد: ففي انتخابات 2023، شكّل “تحالف الإطار التنسيقي” مع حلفائه الكتلة الأكبر من الأصوات والمقاعد على مستوى العاصمة، مع تصدّر سنّي لـ“تقدّم” في التصويت الشعبي ببغداد، وهي صورة مختلطة تُظهر أن التمويل والتنظيم الكتلي كانا حاسمين، ومن المرجّح تكرار ذلك في 2025.

وفي الجنوب الشيعي رُصدت استفادة واضحة للأحزاب الأكبر تنظيمًا ومواردا (الإطار) في انتخابات 2023 المحلية، ويُرجّح استمرار وازدياد نمط التعبئة الشبكية (مقاولي خدمات/وظائف/عقود) في 2025.  وفي محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار: “المحلّيات النافذة” وشبكات الوجهاء تؤدي دور بيضة القبان في بيئات كهذه، ويشتد أثر الإنفاق الموجّه (تحالفات مرنة، ودعم خدماتي سريع الأثر). تحليلات مستقلة حديثة تتوقع مزيدًا من “توطين السياسة” أي ثِقل أكبر للمال والنفوذ المحليَّين.  وفي كركوك: المشاركة الأعلى في 2023 (66%) عكست تعبئة تنظيمية كثيفة وموارد حزبية معتبرة؛ المحافظة ستظلّ وجهة إنفاق عالية المردود بسبب حساسيتها القومية وتوازن القوى المتقارب.

فالكتل الكبيرة المتحالفة ضمن أطُر عريضة (مثل قوى “الإطار التنسيقي” وحلفائه، وتحالفات سنّية وكردية رئيسية) هي المستفيدة الأكبر، لأن النظام المتبع (نظام سانت لوغو) يجعل كل نقطة تصويت إضافية ذات مردود مقعدي أعلى في الدوائر الواسعة.  كما تستفيد انتخابيا الشبكات المحلّية (زعامات/قوائم مناطقية) في محافظات مختلطة أو متنازع عليها، حيث تتنافس كتل كبيرة عبر وسطاء محليين ذوي قدرة على الإنفاق والتحشيد. بالمقابل، المستقلون والقوائم الصغيرة يتضررون، إذ ترتفع كلفة الوصول للناخب مع ضعف المراقبة التمويلية واتساع الدوائر. ويترتب على ما سبق محدودية الثقة الشعبيّة في الانتخابات، والعزوف الشعبي كما في انتخابات المحليات 2023.

والمؤكد أن المال السياسي سيؤثر على شرعية 2025 ما لم تُعزَّز الرقابة التي خفَّت في الانتخابات الأخيرة وهو ما يضع عبئًا كبيرا على IHEC. وللحد من هذه الظاهرة  يجب عمل فحص مالي انتخابي مستقل وشفّاف وإلزام الكتل بإفصاحات زمنية قبل الاقتراع مع رقابة محلية وخارجية على الإنفاق للحيلولة دون شراء الأصوات. كما ينصح بتوسيع بعثات المراقبة مع إمكانيات للتدخّل التقني وكتابة ونشر ملاحظات ونشر تقارير فورية لزيادة شرعية العملية.

 

ثالثا: النفوذ الإيراني:

 تسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في إلحاق خسائر فادحة في مقدرات حزب الله، وإضعاف قدراته العسكرية والمادية والمعنوية. وشكّل سقوط نظام الأسد في سوريا ضربة استراتيجية لإيران، فقدت بسقوطه حليفًا رئيسيًا وطريقا آمنا لتمرير الأسلحة والمقاتلين إلى العراق. هذا التراجع الإيراني جعل الميليشيات العراقية المدعومة من إيران تقلل من ارتباطاتها بطهران، وشجعها على استقلاليتها وإعادة تقييم علاقاتها مع طهران خوفًا من أن تصبح هدفًا مشابهًا. ألغت إدارة ترامب الإعفاءات التي كانت تسمح بموجبها للعراق بشراء الغاز والكهرباء من إيران. هذا القرار زاد من الضغوط على النفوذ الإيراني في العراق وعلى الحكومة العراقية، التي تسعى لتحقيق توازن بين علاقاتها مع طهران وواشنطن، حيث لا يوجد مكان آخر تتقاطع فيه المصالح الأميركية والإيرانية بهذا القرب، مع وجود عدة آلاف من الجنود الأميركيين المتمركزين في سلسلة من القواعد العسكرية في البلاد، فيما تدعم إيران طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمسلحة.

إذن التزمت الميليشيات العراقية صمتًا لافتًا وأصبحت أكثر حذرًا من الانخراط في صراع خارجي، وأكثر استقلالية وأكثر حرصا على مصالحها مع الحكومة العراقية، التي تجني من ورائها المليارات من خزينة الدولة، وتدير شبكات أعمال واسعة، وتملك من النفوذ ما لم تملكه من قبل.

وقد ذكر محللون أن الميليشيات العراقية تغير سلوكها منذ قُتل زعيمها أبو مهدي المهندس في يناير 2020 في نفس الهجوم الأميركي الذي أودى بحياة السيد قاسم سليماني قائد فيلق القدس في بغداد. و واستمر التغير خلال السنوات التالية لمقتلهما، حيث تحولت الميليشيات العراقية من جماعات تقودها إيران بشكل هرمي إلى جماعات أكثر استقلالية ترسم مسارها الخاص، أي أن التصدعات بدأت حين قُتل سليماني والمهندس، لكنها تسارعت فعليًا بعده. فبعد أن استخدمت القاذفات الأميركية الأجواء العراقية في ضرب المنشآت النووية الإيرانية، اكتفت ميليشيا “كتائب حزب الله” العراقية بإصدار بيان رمزي هزيل، وهو ما يعكس حرصها على عدم الانجرار إلى عدوان شبيه بما حدث مع حزب الله في لبنان.

ومع سعي أمريكا وأوروبا لعزل إيران عبر العقوبات، تعززت أهمية العراق كرئة اقتصادية لإيران وكشريك تجاري لا غناء عنه، ولا عن أسواق الصرافة فيه لتحويل الأموال، وأصبحت موانئ العراق ملاذا لخلط وإعادة تصدير المنتجات النفطية الخاضعة للعقوبات، وفقًا لباحثين في مركز “تشاتام هاوس” البريطاني، ما أتاح لإيران منفذًا مهما للتجارة العالمية. كما وفّر العراق ملاذًا آمنًا لجماعات غير عراقية مدعومة من إيران عند تعرضها للاستهداف في مواطنها.

▪︎ استراتيجية إيران: تتمسك طهران بالحفاظ على نفوذها في العراق لكن عبر أبواب خلفية، وعبر فئات داخل البرلمان وبتجنيد حلفاء متغلغلين داخل الدولة دون فرض سيطرة مباشرة، وعبر دعم أحزاب وميليشيات تسعى إلى تعزيز السيادة الوطنية، وهو ما يعكس تحولًا ملحوظا في نهجها.

ويظن البعض أن طهران قد تعمل على إحداث درجة من الفوضى القابلة للسيطرة، أو تدعم فاعلين متعدّدين داخل العراق لتقليل المخاطر المحتملة. ولأنها ما زالت تملك أدوات مهمة فهي قادرة على تقديم الدعمٍ السياسي لحلفائها، وعلى تعبئة القواعد الموالية لها، وعلى التأثير الاقتصادي والإعلامي على مرشحين معينين؛ بدون مواجهة مباشرة.   وخلاصة القول أن إيران كانت وستبقى فاعلًا إقليمياً مهماً في المشهد العراقي وإن تراجع تأثيرها ونفوذها وضعفت آلياته بعد التحولات الإقليمية الأخيرة.

 في أغسطس 2025، أكدت إيران سعيها إلى تكيف جديد بزيارة دبلوماسية إلى العراق قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، التقى فيها بالسوداني رئيس الوزراء العراقي، وبمستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي.  تم خلال الزيارة مناقشة تعزيز العلاقات الثنائية وتشكيل تحالفات انتخابية استعدادًا للانتخابات البرلمانية المقبلة. وطلب لاريجاني من السوداني تقديم المساعدة في تأمين الحدود المشتركة، مستشهداً بأدلة على أن مقاتلين ومعدات وتقنيات تسللت إلى إيران قبل وخلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر 12 يوماً. لكنه اعتذر بأنهم ليست لديهم القدرة على القيام بمهمة فشلت فيها حتى الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية القوية. وقالت مصادر إن لاريجاني “لم يكن راضياً” عن هذا الرد. ووقّع لاريجاني مع قاسم الأعرجي مذكرة تفاهم تهدف إلى تشديد الرقابة على الحدود والحد من التهريب. وقد أثارت هذه الاتفاقية اعتراضات من واشنطن. ودافع الأعرجي عنها خلال اجتماعه مع القائم بالأعمال الأمريكي ستيفن فاجن. ويرى بعض الخبراء أن “العراق بقي خارج الصراع برغبة إيرانية في إبقائه كذلك. لأن إيران تدرك أن استقرار العراق مهم لأمنها القومي ولوضعها الاقتصادي”. ولتحفظ ورقة إشراك القوى العراقية المتحالفة معها في المواجهات الإقيمية لوقت الضرورة، فإيران لا تفضل أن تحرق أوراقها دفعة واحدة. وتبقى التدخلات الخارجية إشكالية تحتاج من يحجمونها عن طريق حوارات إقليمية مُنسّقة وبفتح خطوط اتصال مع جهات فاعلة لخفض رهانات التدخّل الخارجي ولإحداث توازن مفقود، ولاحتواء أي ضغط ميليشياوي يُلمح إلى تصعيد مواكب لإجراء الانتخابات.

 

رابعا: القوى الفاعلة والتحالفات الرئيسية والنتائج المتوقعة:

 

القوى والتحالفات الشيعية:

 

الإطار التنسيقي:

كان يمثل ائتلافًا موحّدًا يضم تحالفات بارزة مثل دولة القانون (المالكي)، الفتح (هادي العامري)، والحكمة (الحكيم)، وغيرها.  لكنه تعرض لتصدعات وشقوق بسبب  الخلافات المالية والسياسية، حيث قرّرت معظم مكوناته خوض الانتخابات عبر قوائم منفصلة، على أن تتّحد مجددًا بعد الاقتراع وفقا لاستراتيجية التفكيك، وأن تدخل مكونات “الإطار التنسيقي” المنافسة عبر قوائم منفصلة لتعظيم المقاعد، على أن يعيدوا الائتلاف بعد الاقتراع، وهي استراتيجية تم اتباعها في انتخابات المحافظات 2023.

تحالف إعادة الإعمار والتنمية:

 أُعلن في مايو 2025، بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. ويضم حركات وأحزاب مثل: الفُراتين (السوداني)، الائتلاف الوطني (اياد علاوي)، ائتلاف العقد الوطني (فالح الفياضي)، بالإضافة إلى حركات محلية. ويعتمد على الخدمات والمشاريع كقاعدة انتخابية، فهو تحالف عملي قد يغير التوازن داخل الشيعة. ويقوده السوداني الذي ساهم في إبقاء العراق على هامش الحروب المشتعلة في المنطقة على مدى عامين. ووازن بين علاقاته مع الولايات المتحدة ومع إيران. وحافظ على هذا المسار الصعب في ذروة العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وضرْب المواقع النووية الإيرانية. مستخدما مزيجًا من الضغط السياسي والعسكري لوقف الجماعات المسلحة الموالية لإيران. لأنه يريد الحفاظ على صلة وثيقة بترامب، وعلى روابط قوية مع الأحزاب السياسية المدعومة من إيران والتي ساعدته على الوصول إلى السلطة عام 2022.

تحالف دولة القانون:

 بقيادة نوري المالكي، يضم: الحزب الدعوي، حزب الفضيلة، تيار المنتصرون، فصيل البشاير، وتيارات تركمانية إسلامية. وقد أعلن أنه سيشارك بشكل مستقل، مع خطط لإعادة الانضمام للإطار التنسيقي لاحقًا. والمالكي يحتفظ بجمهوره، ويواجه تحديات تنافسية من السوداني ومن تراجع “الإطار التنسيقي”، لكنه يعوّل على الخبرة والقوى الاجتماعية المتماسكة.

تحالف النصر (العبادي والحكمة):

 بقيادة التيار الوطني (الأعظمية)، تشكّل بغرص التحالف مع التيار الصدري سابقًا، وهو محاولة لوضع تدخّل معتدل بين “الإطار التنسيقي” المتصدع، مع التركيز على جذور حكم ما قبل داعش.

قائمة عصائب أهل الحق (قيس الخزعلي):

 وتمثل الجماعة المسلحة سابقًا، وتظهر مستقلّة في هذه الانتخابات، مع محاولة إبراز هوية عراقية محلية بدلاً من ارتباط طائفي تبعي. لها حضور قوي في البصرة ووزارة التعليم العالي.

حركة النصر (بدر) – هادي العامري:

 لها نفوذ عبر المؤسسات الأمنية والمناصب الرسمية. انسحبت من التحالف مع السوداني بسبب خلافات بشأن الشراكة والحصص الوزارية.  والمرجّح أن ينتخب الفائزون قوائم منفصلة، ثم يعيدون التكتل لتشكيل حكومة ائتلافية، مما يجعل مفاوضات ما بعد الاقتراع شديدة الأهمية.

برغم أن الصدرين تيار سياسي حي وفاعل ويملك جزءا لا يستهان به من القاعدة الشعبية، ومتغلغل في الدولة العميقة وفي المؤسسات الأمنية ويملكون فصيلا كبيرا في الحشد يعرف بسرايا السلام، إلا أنهم  لم يقرروا الدخول في الانتخابات القادمة، ولم يعد لديهم فسحة من الوقت للدخول.

 

التحالفات والقوى السنيّة (2025):

 

تقدّم: يتزعمها محمد الحلبوسي، الذي حلّ ثانيًا على مستوى العراق بـ 37 مقعدًا في انتخابات 2021 والذي أُقيل من البرلمان بقرار «المحكمة الاتحادية» في نوفمبر 2023. وفي انتخابات المجالس المحلية ديسمبر 2023 التي بلغت مشاركتها 41%، تصدّر تحالف الحلبوسي التصويت في بغداد.

عزم: بقيادة مثنّى السامرّائي الذي يسعى لالتقاط المساحة التي خلّفها تراجع الحلبوسي، ويتحرّك تنظيميًا وقانونيًا لإقصاء الحلبوسي انتخابيًا.

السيادة: ويقوده خميس الخنجر الذي كان قائدا لتحالف «تقدّم + عزم» بعد انتخابات2021، لكن العلاقة تفككت لاحقًا. وتشير تقارير إلى تراجع نفوذ الخنجر خلال العام 2024، وإن شارك في جهود تشكيل تكتّل سنّي موحد جديد مطلع يناير 2025 ضمّ أسماء بارزة مثل (المشهداني، الخنجر، السامرّائي، أبو مازن، زياد الجنابي). وغاب الحلبوسي عن الإطار، ولم يتحول التحالف بعد إلى ماكينة انتخابية فعالة. يذهب بعض المحللين إلى أن الاستقطاب الحادّ بين تقدّم وعزم قد يُجهِض توحيد القوائم السنية قبل يوم الاقتراع، ويميل إلى تجزئة الأصوات في الدوائر المتنازع عليها. وتحسم المقاعد السنّية غالبًا عبر تحالفات ما بعد الاقتراع مع الأكراد وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعي. لذا، توحيد القوائم السنّية قبل يوم التصويت قد يُترجم إلى قوة تفاوضية أعلى على رئاسة البرلمان والحقائب. وقد أثبت انتخاب المشهداني رئيسًا في أكتوبر 2024 استمرار العُرف الطائفي وجعل موقع السنّة المؤسسي محوريًا.

قيادات وقوائم محلية منافِسة وتقودها شخصيات سنّية ذات قواعد مناطقية، مثل ثابت العبّاسي في نينوى، تظهر في نتائج 2023 المحلية وتتحرّك كـأقطاب تفاوض لما بعد الاقتراع، خصوصًا في نينوى.

 

الأحزاب والتحالفات الكردية:

 

الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP):

بزعامة مسعود بارزاني، تصدّر نتائج انتخابات برلمان الإقليم (39 مقعدًامن 100). نسبة التصويت فوق 60% يضغط لتكوين قائمة انتخابية موحدة مع الـPUK لتقوية النفوذ الكردي على المستوى الوطني.

الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK):

بزعامة بافل طالباني، حصل على 23 مقعدًا، حلّ ثانيًا بعد الـKDP. يتفاوض حاليًا مع الكرد حول تقاسم السلطة الحكومية في الإقليم وتشكيل قائمة مشتركة.

حركة الجيل الجديد:

ليست حزبا وإنما حركة انتخابية، يقودها شاسوار عبد الواحد وهو ثري يستخدم المال، يزعم التغيير والإصلاح ويستخدم خطابا شعبويا وله قناة تلفزيونية يستخدمها في الدعاية، حصد 15مقعدًا في انتخابات برلمان كردستان الأخيرة. أعضاؤها لا تجمعهم أيديولوجية ولا تنظيم، ويشاع عنه أنه ليضمن استمرار أعضاء  البرلمان في حركته فإنه يجعلهم يوقعون له على شيكات يشتكيهم بها إذا تخلوا عنه

قوى فاعلة أخرى: أهمها حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني الحاصل على 7 مقاعد في الانتخابات الماضية، حزب العدالة الكردي3 مقاعد، بالإضافة إلى القوائم الأقل وزنًا مثل القومية الاجتماعية الديمقراطية، الشيوعية الكردية وغيرها، تشكل تنوعًا أيديولوجيًا لكنه لا يحمل ثقلًا انتخابيًا.

 

رابعا: التوقعات

 

من المتوقع أن تسفر الانتخابات عن استقرار نسبي يتمثل في انتصار نفس الكتل الكبيرة، ويرجح هذا إذا وُظّف المال السياسي في إعادة إنتاج الطبقة الحاكمة ذاتها مع بعض التعديلات الشكلية، وإذا كانت نسبة المشاركة المقبولة، وإذا نجحت تحالفات ما بعد الاقتراع في إبقاء الكتل التقليدية في موقع صنع القرار. وهناك احتمال ثانٍ ضعيف، وهو أن يحدث تحوّل مدني محدود كأثر عن ضغط شعبي ومناخ اقتصادي يقلص موارد الكتل التقليدية، وصعود قُوى مدنية وشبابية في دوائر حضرية، وهذا الاحتمال يفضي إلى حكومة أكثر إصلاحية لكنها هشة تحالفياً. والاحتمال الثالث هو حدوث أزمات أمنيّة مُشوِّهة للنتائج، مثل عمليات من تنظيم داعش أو احتكاكات ميليشياوية تفضي إلى شكاوى واسعة ومشاكل تمس الشرعية الانتخابية، وربما احتجاجات أو تأخيرات في المصادقة على نتائج أو في تشكيل الحكومة، وهو احتمال وارد في بعض المحافظات البعيدة ذات الحساسيات.

وختاما .. تظل الانتخابات العراقية المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة العراق على تحقيق التوازن بين مصالحه الوطنية والتحديات الإقليمية. وأن نجاح العملية الانتخابية يعتمد على تعزيز سيادة الدولة، وتقوية مؤسساتها، وضمان نزاهة انتخاباتها بعيدًا عن التدخلات الخارجية وعن هيمنة المال والفساد وعن التجاوزات والمخاطر الأمنية وهو ما يبدو حلما بعيد المنال.

 

شارك المقالة
مقالات مشابهة