في السابع عشر من شهر فبراير المنصرم، تحوّلت العاصمة الكينية نيروبي إلى ساحة لتحركات سياسية مكثفة، استهدفت تأسيس حكومة موازية في السودان، في ظل استمرار النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. هذا المسعى الجديد يعكس تصاعد التوترات السياسية في البلاد، حيث اجتمعت قوى مدنية وسياسية وحركات مسلحة متحالفة مع قوات الدعم السريع للإعلان عن توقيع “الميثاق التأسيسي” لهذه الحكومة البديلة. ولم يكن هذا المشروع بمنأى عن الانقسامات الداخلية، إذ شهد تحالف “تقدّم” خلافات جوهرية حول تشكيل الحكومة الموازية، ما أدى إلى انشقاق بعض أعضائه وانبثاق تحالف جديد تحت مسمى “تحالف السودان التأسيسي”، وهو ما يعكس تعقيد المشهد السياسي وتعاظم التباينات بين القوى الفاعلة.
“إسقاط دولة 56”.. شعار يكشف أبعاد الصراع
من الشعارات التي تصدّرت التجمعات السياسية المرافقة لإعلان الحكومة الموازية كان الهتاف بـ “إسقاط دولة 56″، وهو تعبير يحمل دلالات عميقة في الخطاب السياسي السوداني. هذا المصطلح يُشير إلى الدولة السودانية التي تشكلت بعد الاستقلال عام 1956، لكنه بات في أدبيات بعض الفاعلين السياسيين، لا سيما المتحالفين مع قوات الدعم السريع، رمزًا لفشل المنظومة الحاكمة في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. وفق هذا الطرح، فإن النظام السياسي الذي استمر لعقود لم يتمكن من معالجة التحديات الجوهرية، بل تفاقمت في ظله الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ما دفع هذه الأطراف إلى المطالبة بإسقاط النموذج القائم واستبداله بكيان سياسي جديد يعيد بناء السودان على أسس أكثر شمولية وعدالة. من هنا، -في منظورهم- لا يُنظر إلى الحكومة الموازية كبديل مؤقت أو محاولة لتقاسم السلطة، بل كخطوة تأسيسية لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤية مختلفة.
أهداف الحكومة الموازية: بين الطموح السياسي وشرعية الواقع
تسعى الحكومة الموازية إلى تجاوز الدور التقليدي للحكومات الانتقالية، إذ صرّح الهادي إدريس، أحد القادة البارزين في التحالف، بأن الميثاق التأسيسي لهذه الحكومة يهدف إلى “استعادة وحدة السودان” وإنهاء الحرب الأهلية عبر معالجة جذور الأزمة. يطرح هذا المشروع رؤية متكاملة تتجاوز حدود المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وتسعى إلى تقديم نفسها كحكومة ذات شرعية وطنية، قادرة على فرض سيطرتها على كامل التراب السوداني.
في رؤيتها، ترتكز هذه الحكومة الموازية على ثلاثة محاور أساسية. أولًا، بناء جيش وطني موحد بعيدًا عن الولاءات السياسية، لضمان حماية سيادة السودان ووحدة أراضيه، وهو ما يتناقض مع الوضع الحالي حيث تُتهم القوات المسلحة السودانية بالتحيز السياسي. ثانيًا، تقديم الخدمات الأساسية مثل الأمن، الصحة، والتعليم في المناطق التي تسيطر عليها، وذلك بهدف تعزيز شرعيتها وكسب ثقة المواطنين، عبر توفير نموذج حكم بديل عن الحكومة القائمة. ثالثًا، إعادة توزيع الثروات الوطنية بشكل أكثر إنصافًا، لا سيما في المناطق المهمشة التي طالما عانت من سياسات إقصائية جعلت التنمية حكرًا على مناطق محددة.
ويوم أمس أعلنت قوات الدعم السريع عن اكتمال استعداداتها لتشكيل ما أسمته بـ”حكومة سلام ووحدة” في المناطق التي تسيطر عليها، متعهدة بحمايتها من غارات الطيران الحربي التابع للجيش السوداني. ووفقًا لبيان صادر عن القيادة الثانية في الدعم السريع، فإن هذه الحكومة ستُكلف بتقديم الخدمات الأساسية لسكان تلك المناطق، بما في ذلك إصدار جوازات السفر وطباعة العملة.
وخلال اجتماعهم الأخير في العاصمة الكينية نيروبي، أعلن الفريق أول عبد الرحيم حمدان دقلو، قائد ثاني قوات الدعم السريع، أن الترتيبات النهائية لتشكيل هذه الحكومة قد اكتملت، مشيرًا إلى أن طباعة الوثائق الرسمية باتت جاهزة، إلى جانب “تجهيزات أخرى” لم يُفصح عنها. كما تعهد بمواصلة القتال حتى “تحرير ولايات الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، وكسلا” مما وصفه بسيطرة “الحركة الإسلامية”، التي يتهمها بقيادة الجيش والتحكم في قراراته.
وفي تلميح لامتلاك قواته قدرات دفاعية متقدمة، أكد دقلو أن مناطقه ستكون “محمية بالكامل” من غارات الطيران الحربي التابع للجيش، مشيرًا إلى امتلاك “الدعم السريع” لأنظمة مضادة للطائرات. هذا الإعلان زاد المخاوف لدى العديد من السودانيين من أن تؤدي هذه الخطوة إلى مزيد من التصعيد العسكري، وتعزيز سيناريو “بلقنة السودان”، رغم تأكيدات “تحالف تأسيس” أنه يسعى للحفاظ على وحدة البلاد.
الحكومة الموازية في السودان: بوابة الفوضى والانقسام
لم تخلُ هذه الخطوة لإنشاء حكومة موازية من الجدل، إذ تواجه معارضة قوية من الحكومة السودانية الحالية، التي تعتبر تشكيل حكومة موازية تهديدًا مباشرًا لوحدة البلاد واستقلال قرارها السياسي. في هذا السياق، أكد الفريق عبد الفتاح البرهان رفضه القاطع لأي محاولة لفرض حكومة من الخارج، مشددًا على أن السودانيين هم وحدهم من يملكون حق تقرير مصيرهم السياسي. وأبدى استغرابه من دعم بعض القوى الإقليمية والدولية لعودة شخصيات سياسية سابقة، مؤكدًا أن إرادة الشعب السوداني قد قالت كلمتها بوضوح.
مع ضرورة الإشارة إلى إنّ فكرة الحكومة الموازية ليست غريبة على تاريخ الصراعات الإفريقية، لكن ما يجري في السودان يحمل أبعادًا أكثر تعقيدًا، إذ تأتي هذه المحاولة وسط حرب ضارية بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، في صراع لم يُحسم منذ أبريل 2023. لكن بدلًا من العمل على حلّ النزاع واستعادة الاستقرار، يبدو أن تشكيل حكومة موازية في نيروبي يسعى إلى خلق مشهد سياسي جديد، قد يؤدي إلى تفكيك الدولة السودانية أو إعادة تشكيلها ضمن كيان متعدد السلطات، مما يفتح الباب أمام فوضى سياسية، وتدخلات خارجية، وربما تقسيم صامت للسودان، ولإدراك ذلك من الضروري الوقوف على عدة نقاط.
أولًا: من يقف وراء مشروع الحكومة الموازية؟
تتكون الحكومة الموازية من تحالف يضم قوى مدنية وحركات مسلحة، بعضها على علاقة مباشرة مع ميليشيا الدعم السريع، التي تسعى إلى الحصول على اعتراف دولي بشرعيتها كطرف مساوٍ للجيش السوداني. وفي سياق تعزيز نفوذها السياسي مقابل الجيش، وقّعت قوات الدعم السريع اتفاقًا مع حركات مسلحة، أبرزها “الحركة الشعبية لتحرير السودان”، إلى جانب قوى سياسية ومدنية، من بينها حزب “الأمة القومي”، لتأسيس هذا التحالف الذي أطلقت عليه “تحالف تأسيس”، كحكومة مناوئة للحكومة التي يقودها الجيش السوداني من بورتسودان، والتي أصبحت العاصمة المؤقتة بعد فقدان الخرطوم لصالح “الدعم السريع” منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
عطفًا على ما سبق، أدت هذه التطورات إلى انقسام داخل التحالف المدني الرئيسي في البلاد، المعروف باسم “تقدم”، حيث رفضت مجموعة يقودها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك الخطوة، وأعادت تسمية نفسها بـ”تحالف صمود”، بينما فضّلت المجموعة الأخرى الانخراط في مشروع “تحالف التأسيس” هذا، والأطراف المتحالفة معه.
غير أن العامل الأكثر أهمية هو الدور الإقليمي والدولي في دعم هذه الخطوة، حيث تشير تقارير إلى تورط إماراتي مباشر في تمويل قوات الدعم السريع، إلى جانب تقديم دعم سياسي للحكومة الموازية، بهدف فرض واقع جديد في السودان يخدم مصالح خارجية دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر. وفي هذا السياق، استثمرت أبو ظبي أكثر من 6 مليارات دولار في السودان منذ 2018، شملت مشاريع زراعية، وبنية تحتية، وميناءً على البحر الأحمر، فضلًا عن تجنيد مقاتلين من قوات الدعم السريع للمشاركة في صراعات إقليمية أخرى.
ومن المؤشرات التي تعزز الشكوك حول تواطؤ الإمارات مع مشروع الحكومة الموازية في السودان، صدور بيانات واضحة من كل من السعودية ومصر وقطر والكويت والعديد من الدول العربية الأخرى، تعلن رفضها القاطع لأي محاولة لتقسيم البلاد عبر حكومة تفرضها الميليشيات، بينما التزمت الإمارات الصمت ولم يصدر عنها أي بيان رسمي حتى الآن. هذا الغياب الملحوظ في الموقف الإماراتي لم يمر مرور الكرام، بل فُسِّر على نطاق واسع بأنه إما دعم ضمني لهذا المشروع، أو على الأقل، تواطؤ بالصمت في لحظة مفصلية من تاريخ السودان.
وإلى جانب الإمارات، تحاول إثيوبيا وكينيا دعم هذه الحكومة الناشئة، انسجامًا مع رؤية أبوظبي التي ترى في حكومة البرهان امتدادًا لتيار إسلامي يهدد توازناتها الإقليمية، ويعيد إنتاج نموذج “الكيزان”. لكن في المقابل، ترى قوى سياسية سودانية أن الحكومة الموازية ليست أكثر من غطاء لهيمنة الدعم السريع، وهو ما يضع البلاد أمام خطر تكريس سلطة ميليشياوية تفتقر لأي مقومات سياسية أو سيادية.
ومع ذلك، لم يتم حتى الآن الإعلان الرسمي وتسمية رئيسٍ للحكومة الموازية، ما يترك الباب مفتوحًا أمام التكهنات بشأن الشخصية التي ستتولى هذا المنصب في حال تمضي هذه الخطوة إلى الأمام. ومن بين الأسماء المطروحة بقوة، يبرز عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، والذي شارك في توقيع الميثاق السياسي. وبالتوازي مع ذلك، يُطرح اسم عبد الرحيم دقلو، الرجل الثاني في قيادة ميليشيا الدعم السريع بعد شقيقه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كأحد المرشحين المحتملين لهذا المنصب، خاصة في ظل النفوذ العسكري واللوجستي الذي تمتلكه الميليشيا في المعادلة السياسية الراهنة. وبينما يبقى الغموض مسيطرًا على هوية من سيتولى رئاسة هذه الحكومة، فإن الأمر الأكيد هو أن طبيعة الشخصية التي سيتم اختيارها ستعكس إلى حد بعيد التوجهات السياسية والاستراتيجية للقوى الداعمة لهذا المشروع، داخليًا وخارجيًا.
ثانيًا: كيف تخدم الحكومة الموازية المصالح الأجنبية؟
لا يمكن فصل هذا المشروع عن الأجندات الإمبريالية التي تعتمد على تفكيك الدول الهشة، عبر خلق كيانات بديلة تُسهل التدخل الخارجي وتفكيك المؤسسات السيادية. ومن أبرز الطرق التي تخدم بها الحكومة الموازية المصالح الأجنبية:
ثالثًا: خطر الحكومة الموازية على وحدة السودان
إنّ أخطر ما في هذه الخطوة هو أنها تخلق بيئة خصبة لانقسام السودان إلى مناطق نفوذ متناحرة، مما يهدد الأمن القومي ويعيد إنتاج نماذج “الدول الفاشلة”. ويمكن تلخيص التهديدات التي يفرضها هذا السيناريو على السودان في النقاط التالية:
إذن، هل نحن أمام مشروع تقسيم صامت للسودان؟
رغم أن أحدًا لم يعلن صراحة عن نية تقسيم السودان، إلا أن الوقائع على الأرض ترسم ملامح تقسيم فعلي دون الحاجة إلى إعلان رسمي. فحين توجد حكومة موازية، فهذا يعني أن البلاد باتت أمام سلطتين متوازيتين مستقلتين، لكل منهما تحالفاتها العسكرية والسياسية، مما يفتح الباب أمام تعامل القوى الدولية مع كل طرف على حدة، وهو ما سيكرّس الانقسام تدريجيًا. ومع استمرار النزاع، يتجه الوضع نحو تثبيت هذا التقسيم كأمر واقع غير معلن، لكنه فعلي، حيث تصبح مناطق نفوذ ميليشيا الدعم السريع كيانًا منفصلًا بحكم الأمر الواقع. ويشبه هذا السيناريو ما حدث في كردستان العراق، حيث لم يُعلن الانفصال رسميًا، لكنه تحقق عمليًا بسيطرة حكومة الإقليم على مؤسساته واستقلاله عن بغداد، وهو ذات المسار الذي قد يجد السودان نفسه عالقًا فيه.
لكن التوقيت ليس محض مصادفة. إعلان هذه الحكومة الموازية جاء في ذروة انتصارات الجيش السوداني، خاصة بعد معركة ود مدني في ولاية الجزيرة التي قلبت موازين القوى لصالح الدولة، ومع الاقتراب من استعادة كامل الخرطوم. هذا يكشف أن الخطوة ليست إلا مناورة سياسية تهدف إلى إحباط الزخم العسكري بضربة سياسية، تقطع الطريق أمام الاعتراف الدولي بتقدّم الجيش.
وعليه، فإن تشكيل حكومة موازية في السودان ليس مجرد استجابة للأزمة السياسية الراهنة، بل يبدو جزءًا من مشروع أوسع لتفكيك الدولة السودانية وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح خارجية. إذا لم يتم التصدي لهذه الخطوة بحزم، فقد يجد السودان نفسه في مشهد مألوف: تعدد الحكومات، انهيار الدولة المركزية، وتحول البلاد إلى ساحة نفوذ لقوى إقليمية ودولية، حيث لا يبقى شيء من السودان سوى اسمه، فيما يتم تقاسمه بين اللاعبين الدوليين وفق قواعد الحرب الباردة الجديدة في أفريقيا.