الاحتجاجات الشعبية في إيران: هل تطيح بالنظام أم يستطيع احتواءها؟

بواسطة
أمد للدراسات
تاريخ النشر
01/09/2026
شارك المقالة

تشهد إيران منذ أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026 موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية ذات الطابع الاقتصادي في الأساس. جاءت هذه التحركات على خلفية أزمات معيشية خانقة وتدهور غير مسبوق في قيمة العملة المحلية، ما أطلق شرارة احتجاجات تجاوزت لاحقا الطابع المطلبي الاقتصادي لتكتسب أبعادا سياسية أوسع. تستعرض هذه الورقة التحليلية أسباب اندلاع الاحتجاجات والسياق الاقتصادي الذي أفضى إليها، ومطالب المحتجين وتحول الشعارات من الاقتصادي إلى السياسي، والشرائح الاجتماعية المشاركة، واستراتيجية النظام في التعامل مع هذه الاحتجاجات. يأتي ذلك في إطار قراءة محايدة وعميقة لأحدث التطورات، بالاستناد إلى وقائع موثقة، لفهم ما يجري في إيران واستشراف دلالاته الاستراتيجية وتأثيره على مصير النظام السياسي.

 

أولا: أسباب اندلاع الاحتجاجات والسياق الاقتصادي

بدأت الشرارة الأولى للاحتجاجات عصر يوم 28 ديسمبر 2025 في قلب العاصمة طهران، حين تجمع عدد من أصحاب المحال وتجار بيع الهواتف المحمولة أمام أحد المراكز التجارية الكبرى وسط المدينة. جاء هذا التحرك العفوي اعتراضا على التقلبات الحادة في أسعار صرف العملات الأجنبية والتدهور السريع في قيمة الريال الإيراني. فقد شهدت إيران في تلك الفترة انهيارا غير مسبوق للعملة الوطنية، إذ قفز سعر الدولار الأميركي إلى نحو مليون وأربعمائة وخمسين ألف ريال في السوق الموازية، وهو مستوى قياسي تاريخي مثير للقلق.

ترافق هذا الانهيار في قيمة العملة مع تسارع معدلات التضخم، حيث بلغ التضخم الرسمي نحو 42% أواخر عام 2025 وفق تقديرات خبراء، مع الإشارة إلى أن المعدل الفعلي ربما تجاوز 50% في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ولم يكن ارتفاع سعر الدولار رقما اقتصاديا مجردا، بل انعكس فورا على معيشة الناس اليومية. فقد ارتفعت أسعار السلع والمواد الأساسية بوتيرة سريعة، وعانى التجار وأصحاب المحال من حالة عدم استقرار تجعل من الصعب عليهم التسعير أو البيع والشراء. وبات الاحتجاج على ارتفاع سعر الدولار انعكاسا لحياة يومية لا تعرف الاستقرار؛ فالأسعار في إيران باتت تتغير أسبوعيا، والمواطن لم يعد يدري ما إذا كان إيجار بيته سيتضاعف خلال أشهر، أو إن كانت الأدوية ستتوفر، أو إن كان سيحتفظ بوظيفته وسط هذه العاصفة الاقتصادية.

يضاف إلى ذلك أن إيران خلال عام 2025 واجهت أزمات هيكلية مركبة فاقمت الضغوط على المجتمع والاقتصاد. فقد ضرب البلاد أسوأ موجة جفاف منذ ستة عقود، ما أدى إلى شح المياه بصورة خطيرة وضعت الحكومة أمام خيارات صعبة، كترشيد قاس للاستهلاك، ومخاطر تمس حتى قدرة بعض السكان على البقاء في مناطق ومدن معينة، منها العاصمة نفسها. واعترف الرئيس الإيراني في خريف 2025 بأن البلاد “شارفت على نفاد المياه”، محذرا من احتمال إجلاء سكان طهران إن لم تتحسن أوضاع الأمطار. كما شهد صيف 2025 انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر وعلى نطاق واسع بسبب نقص الإنتاج وارتفاع الاستهلاك، ما أثر على القطاعات الإنتاجية وزاد استياء المواطنين. ولعل الأزمة المعيشية الشاملة، التي جمعت بين الغلاء الفاحش وضعف الخدمات كالماء والكهرباء واستفحال البطالة، هي التي جعلت الشارع الإيراني مهيأ للاشتعال عند أول شرارة مباشرة.

ومن المهم الإشارة إلى أن طبيعة هذه الاحتجاجات الاقتصادية في 2025/2026 تختلف عن موجات سابقة شهدتها إيران خلال العقد الماضي. فاحتجاجات خريف 2022، مثلا، اندلعت إثر وفاة الشابة مهسا أميني وتركزت على مطالب اجتماعية تتعلق بالحريات (وعرفت آنذاك باحتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” ضد قيود الحجاب)، ولم تكن في الأساس اقتصادية، رغم انضمام شرائح غاضبة من الأوضاع المعيشية لاحقا. أما احتجاجات نوفمبر 2019 فكانت شرارتها رفع أسعار الوقود وضمت بشكل أساسي فئات من الشرائح الأفقر والمهمشة في المجتمع الإيراني، وقابلتها السلطات حينها بإجراءات قمعية شديدة شملت إغلاق شبكة الإنترنت تماما واعتقالات واسعة. في المقابل، انطلقت احتجاجات نهاية 2025 من قلب السوق وبين التجار المتضررين مباشرة من انهيار العملة، وبدت في بدايتها أكثر انضباطا وتنظيما من جانب المشاركين أنفسهم، إذ أغلق أصحاب المحال متاجرهم واحتجوا سلميا. كما أن تعامل السلطات معها في الأيام الأولى اتسم بشيء من الحذر النسبي مقارنة بالنهج الخشن المعتاد في 2019 و2022. ويمكن القول إن الأزمة الاقتصادية الشاملة من جهة، واستياء فئات يفترض تقليديا أنها موالية أو صامتة كالتجار من جهة أخرى، جعلا هذه الجولة الاحتجاجية مختلفة في تركيبها وظروفها عن سابقاتها، وإن لم تبلغ حتى الآن مستوى الزخم الشعبي الأخطر على استقرار النظام.

 

ثانيا: مطالب المحتجين وتحول الشعارات
تركزت المطالب المعلنة في بداية هذه الاحتجاجات على الشأن الاقتصادي المباشر. يريد المحتجون وقف الانهيار المالي وتحسين الأوضاع المعيشية. فعندما خرج أصحاب المحال التجارية وسماسرة سوق الهواتف في طهران يوم 28 ديسمبر، كانوا يهتفون أساسا ضد تدهور سعر صرف الريال وضد السياسات الاقتصادية التي سمحت بهذا التراجع. وسادت شعارات تطالب الحكومة بإجراءات عاجلة لكبح جماح الدولار وضبط السوق، وإطلاق سراح البضائع المستوردة المحتجزة في الموانئ والجمارك. وقد تردد أن كثيرا من السلع الإلكترونية والتجارية مكدسة في المرافئ بسبب عراقيل إدارية ورقابية، ما زاد من ندرة المعروض وارتفاع الأسعار، فكان غضب التجار مضاعفا: على ارتفاع الكلفة، وعلى تعطل أعمالهم جراء تلك السياسات.

لكن مع اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافيا واجتماعيا خلال الأيام التالية، سرعان ما تخطت الشعارات المرفوعة الإطار الاقتصادي البحت. انتقلت عدوى الاحتجاج إلى مدن أخرى وإلى ساحات الجامعات، وظهرت إلى العلن هتافات سياسية تجاوزت المطالب المعيشية المباشرة. في بعض التجمعات صدحت الحناجر بشعار “الموت للدكتاتور”، كما رددت هتافات تمجد العهد الملكي السابق مثل “رضا شاه، روحت شاد” (أي فليرقد رضا شاه بسلام)، في دلالة رمزية على حنين بعض المتظاهرين إلى زمن الشاه. وكانت هذه النعرة الملكية لافتة، إذ أفادت تقارير بأنها المرة الأولى منذ عقود التي تحضر فيها شعارات مؤيدة للملكية بهذا الزخم في الشارع الإيراني، حتى في مدن تعد معاقل دينية تقليدية. كذلك كرر محتجون في مناطق مختلفة هتافات ضد مجمل النظام مثل “الموت لكل النظام”، ودعوات صريحة إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية.

إن تحول الشعارات من تحسين سعر الصرف وكبح الغلاء إلى تحدي المنظومة الحاكمة يعكس عمق الغضب الشعبي الكامن. فكثير من الإيرانيين يرون أن الأزمة الاقتصادية عرض لخلل أعمق في البلاد، ويحملون النظام الحاكم بمؤسساته مسؤولية الفساد وسوء الإدارة الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد. وبحسب مراقبين، يدرك المحتجون، بمن فيهم أصحاب المطالب الاقتصادية البحتة، أن مفاتيح الحل والعقد ليست بيد الحكومة وحدها، بل بيد دوائر الحكم العليا. ومع أن الشعارات السياسية لم تطغ تماما على كل مواقع الاحتجاج، إذ بقيت تجمعات تركز على مطالب معيشية، إلا أنها ظهرت بما يكفي لإثارة قلق القيادة الإيرانية من أن تتحول الحركة الاقتصادية المحدودة إلى حركة احتجاجية عامة تهدد استقرار الحكم، كما حدث في موجات سابقة.

ويجدر الذكر أن سقف المطالب بدا متفاوتا بين مدينة وأخرى وطبقة وأخرى. فبينما اكتفى تجار البازار في طهران ببث شكواهم الاقتصادية، مع إضرابهم عن فتح محالهم للضغط على السلطات، ذهبت مجموعات طلابية وشبابية في جامعات طهران وأصفهان ويزد وغيرها إلى رفع شعارات سياسية جريئة نادت بالحرية والتغيير السياسي الشامل. كذلك استغلت بعض القوى المعارضة في المنفى ووسائل إعلام أجنبية الوضع للتحريض على استمرار الاحتجاج وتوسيع شعاراته نحو المطالبة بإسقاط النظام ككل.

هذا الخليط جعل المشهد معقدا، إذ تختلط المطالب المعيشية المحقة، التي يعترف حتى مسؤولون بشرعيتها، مع أجندات سياسية تعمل السلطة على وسمها بالتخريبية أو المرتبطة بالخارج لتبرير قمعها. وبشكل عام، يمكن القول إن مطالب المحتجين في احتجاجات 2026 تراوحت بين تحسين الأوضاع الاقتصادية فورا عبر كبح التضخم ورفع الرواتب وتوفير الخدمات، وصولا إلى مطالب قصوى تتعلق بتغيير شكل الحكم وإطلاق الحريات. وقد منح هذا التفاوت في المطالب ذريعة للسلطة لتقسيم المحتجين إلى فئتين: فئة أصحاب المطالب الاقتصادية “المحقة”، وفئة أخرى تتهم بالسعي لإثارة الشغب وتقويض النظام.

 

ثالثا: الشرائح المشاركة واستراتيجية النظام في التعامل
اتسمت احتجاجات مطلع 2026 في إيران بمشاركة شرائح اجتماعية متنوعة على نحو ملحوظ، ما يميزها عن بعض سابقاتها. فالبداية جاءت، كما أسلفنا، من تجار السوق التقليديين وأصحاب المحال في بازار طهران الكبير والأسواق الإلكترونية، وهي فئة تمثل عمادا اقتصاديا مهما، وكان لها تاريخ في دعم الثورات مثل دور بازار طهران في ثورة 1979، لكنها في العقود الأخيرة تعد من القواعد الأقرب إلى النظام نسبيا. إضراب هؤلاء وإغلاقهم لمحالهم ثم خروجهم إلى الشارع في طهران ومدن أخرى مثل شيراز وكرمانشاه، شكل جرس إنذار للنظام بأن الأزمة طالت قلب الطبقة الوسطى التجارية، وليس الفقراء وحدهم.

وفي اليوم التالي، 29 ديسمبر، توسعت الرقعة بانضمام طلاب الجامعات في عدة جامعات كبرى بالعاصمة، مثل جامعة طهران وجامعة شهيد بهشتي وجامعة أمير كبير، وكذلك في جامعات بمحافظات أخرى كأصفهان ويزد وغيرها. رفع هؤلاء الطلاب شعارات تندد بالفساد وتطالب بمستقبل أفضل، ووجدوا تعاطفا من بعض أساتذة الجامعات والنخب المثقفة داخل البلاد.

كما برزت مشاركة محدودة لعناصر من الطبقة العاملة عبر تنظيم إضرابات عمالية في بعض المصانع والقطاعات الخدمية احتجاجا على تأخر دفع الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، وإن كانت هذه الاحتجاجات أمرا معتادا في إيران خلال السنوات الماضية. وظهرت أيضا تجمعات احتجاجية في مناطق أكثر فقرا وعلى أطراف بعض المدن، قادها شبان عاطلون عن العمل ومواطنون أنهكهم التضخم. هذا الامتداد الأفقي للاحتجاجات عبر طبقات مختلفة زاد من الضغط على السلطات، لكنه في الوقت نفسه افتقر إلى قيادة موحدة أو تنسيق مركزي بين الفئات المختلفة. فالتجار تحركوا بدافع حماية أعمالهم، والطلبة بدافع التطلع للحريات والكرامة، والعمال بدافع الحاجة الاقتصادية البحتة؛ وهي أهداف متقاطعة لكنها ليست مندمجة ضمن حركة واحدة واضحة التنظيم. وربما أسهم ذلك في بقاء حجم كل احتجاج أو إضراب ضمن حدود يمكن للسلطة احتواؤها، ومنع تحوله إلى موجة موحدة عارمة في جميع أنحاء البلاد في وقت واحد.

في مواجهة هذه الأحداث، انتهجت السلطات الإيرانية مزيجا من الإقرار بالمطالب في العلن والإجراءات الصارمة في الميدان، في محاولة لنزع فتيل الأزمة دون السماح بانتشارها أو تحولها إلى تحد وجودي. فمنذ الأيام الأولى، حرص المسؤولون، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان، على التصريح علنا بالتفهم والتعاطف مع هموم الناس. وأصدر بزشكيان توجيها إلى وزير الداخلية للاستماع إلى مطالب المحتجين “المحقة” عبر الحوار مع ممثليهم. بل وشدد في تصريح بارز له يوم 1 يناير 2026 على أنه لا يجب تحميل استياء المواطنين جهات خارجية كأميركا وغيرها، معتبرا أن الخلل نابع من سوء الإدارة داخل السلطة. وقد مثل هذا الكلام خطابا تصالحيا غير معتاد نسبيا من رأس السلطة التنفيذية، إذ أقر ضمنيا بمسؤولية الحكومة والنظام عن الأزمات الاقتصادية وتعهد بإصلاحات عاجلة في النظام النقدي والمصرفي للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، مؤكدا أن معيشة المواطنين هي الشاغل الأول لديه.

في الوقت نفسه، حرصت السلطات في أعلى هرم الحكم على وضع خطوط حمراء لمنع الانزلاق نحو انفلات أمني أو تطور سياسي خطير. ففي خطاب له بتاريخ 3 يناير 2026 بمناسبة ذكرى اغتيال قاسم سليماني، أقر المرشد الأعلى علي خامنئي بأن مطالب التجار وأصحاب المهن المحتجين مشروعة ومحقّة، لكنه حذر في المقابل من “مرتزقة مرتبطين بالعدو” يندسّون بين الصفوف ويرفعون شعارات مناوئة للنظام. وميز خامنئي بوضوح بين الاحتجاج السلمي المقبول وبين الشغب المرفوض، موجها المسؤولين إلى محاورة المحتجين ذوي المطالب المحقة، بينما “لا فائدة من الحوار” مع من سماهم مثيري الشغب، بل يجب لجمهم فورا. وقد رسم هذا الموقف إطار التعامل الأمني خلال الأيام التالية: استيعاب الغضب الشعبي المشروع، مع عدم التسامح مع أي محاولة لاستغلاله ضد النظام.

وبناء على هذه التوجيهات، شهدت الإجراءات الأمنية تصاعدا مع بداية الأسبوع الثاني للاحتجاجات. فقد أعلن قائد الشرطة الإيرانية العميد أحمد رضا رادان بتاريخ 4 يناير أن قوات الأمن بدأت تنفيذ اعتقالات مركزة بحق قادة الاضطرابات الأخيرة. وأوضح أنه تم تحديد واعتقال عدد كبير ممن حرضوا الناس ميدانيا أو نشطوا عبر الفضاء الافتراضي لنشر دعوات التظاهر. وأظهرت بيانات الأمن أنه خلال أيام قليلة تم توقيف عشرات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي بدعوى بث أخبار كاذبة وتأجيج الرأي العام، إضافة إلى اعتقال من وصفتهم السلطة بـ”رؤوس الفتنة” ممن قادوا التحركات ميدانيا. وبحلول 5 يناير، خرج رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي بتصريح حازم يؤكد فيه أنه لن يتم التسامح مع مثيري الشغب هذه المرة، وأن من تورطوا في تخريب أو تحريض سيواجهون بأقصى العقوبات القانونية. وشدد إيجئي على أن الولايات المتحدة وإسرائيل أعلنتا صراحة دعمهما لمن سمّاهم مثيري الشغب، وبالتالي فإن للقضية بعدا دوليا يستوجب الحزم وعدم التهاون دفاعا عن أمن البلاد. وبالتوازي، أصدرت قيادات الحرس الثوري بيانات تتوعد من وصفتهم بـ”عملاء الأعداء”.

 

رابعا: شد الحبل بين واشنطن وطهران
ما زاد المشهد تعقيدا هو دخول العامل الخارجي على الخط إعلاميا. فعلى نحو غير معتاد، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحات حادة اللهجة تجاه القيادة الإيرانية بشأن هذه الاحتجاجات. فقد حذر ترامب في 2 يناير 2026 عبر منصة “تروث سوشيال” من أنه إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف فإن واشنطن ستتدخل لنجدتهم، وهو ما اعتبر تهديدا مبطنا بإمكانية اتخاذ إجراءات دعم قد تكون دبلوماسية أو حتى عسكرية لحماية المحتجين.

أثارت هذه التصريحات الأميركية استنكارا سريعا من طهران، حيث رد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بتصريح شديد اللهجة قال فيه إن على ترامب أن يعلم أن تدخل الولايات المتحدة في قضية داخلية إيرانية يعني إشعال الفوضى في المنطقة بأسرها وتقويض المصالح الأميركية. وأضاف لاريجاني عبر منصة “إكس” (تويتر سابقا) أن مواقف التجار المحتجين تختلف تماما عن عناصر تخريبية مرتبطة بالخارج، مؤكدا أنه مع انكشاف تصريحات المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين “اتضحت كواليس ما جرى”، في إشارة إلى قناعة طهران بأن خصومها يستغلون الأزمة الاقتصادية للتحريض على اضطرابات أمنية. ولم يكتف المسؤول الإيراني بذلك، بل وجه برسالة إلى الأميركيين أنفسهم قائلا إن “على الشعب الأميركي أن يعلم أن ترامب هو من بدأ المغامرة وعليهم أن يحذروا على جنودهم”، ملمحا إلى أن أي تدخل أميركي قد يعرض القوات الأميركية في المنطقة للخطر.

وخلال هذه الحرب الكلامية، سارع مسؤولون إيرانيون آخرون إلى التأكيد بأنه لا أفق لأي تدخل خارجي مباشر لحماية من يقوم بأعمال شغب في إيران، وأن مثل هذه التهديدات الأميركية ليست سوى محاولة لاستثمار نقاط ضعف داخلية لتحقيق مكاسب سياسية ضد طهران دون نية حقيقية للمواجهة المباشرة.

واقع الأمر أن التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران حول موضوع الاحتجاجات بقيت في إطار التصعيد اللفظي ولم تتجاوز ذلك إلى أفعال ملموسة. ويمكن في كثير من الأحيان قراءة موقف الإدارة الأميركية بوصفه ضغطا نفسيا وإعلاميا على القيادة الإيرانية لثنيها عن خيار القمع الواسع، أكثر منه استعدادا فعليا للتدخل. فالإدارة الأميركية، وكذلك إسرائيل التي أعرب بعض مسؤوليها عن دعمهم للاحتجاجات، يدركان أن السلطات الإيرانية ما تزال متماسكة وأن أجهزتها الأمنية والعسكرية موالية لها، وأن أي مغامرة عسكرية خارجية قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتصعيد إقليمي خطير. لذا اكتفت واشنطن بتصريحات التضامن وربما بتحريك الضغوط الدبلوماسية، فيما تركت لطهران مهمة احتواء الموقف بنفسها.

 

خاتمة
تعكس احتجاجات إيران في مطلع 2026 عمق الأزمة البنيوية التي تعانيها البلاد تحت وطأة الضغوط الاقتصادية وسوء الإدارة المزمن. لقد خرجت فئات من الشعب كانت تقليديا أقرب إلى النظام، مثل التجار والبازاريين، لتعبر عن ضيقها الشديد، والتحقت بها شرائح أخرى من طلبة وعمال ومواطنين منهكين، ما أوجد حالة احتجاجية متشعبة المطالب والدوافع. واستجابة النظام اتسمت بالجمع بين لهجة الاعتراف بالمشكلات والسعي إلى طمأنة الشارع عبر وعود بالإصلاح، وبين تحريك أدوات الردع الأمني لقص أجنحة أي تحرك قد يهدد بقاءه.

وفي المحصلة، تظهر قراءة بنية التركيبة المجتمعية للاحتجاجات أن المطالب غير موحدة وأن التحركات كانت مبعثرة، ما يجعلها قابلة للاحتواء من قبل السلطات. غير أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنها انتهت أو أنها غير قابلة للتوسع السريع بما يشكل تهديدا خطيرا للنظام السياسي ككل. ويتضح ذلك من خلال استمرار هذه الاحتجاجات بشكل يومي، ومن خلال تغير توزيعها الجغرافي وحركتها بشكل عكسي من الأطراف إلى المركز، واستمرارها بعد ذلك في العاصمة طهران.

شارك المقالة
مقالات مشابهة