دخلت العلاقة بين الإمارات وإيران مرحلة جديدة يمكن وصفها بالتعاون بعد فترة طويلة من التوتر والفتور على خلفية العديد من القضايا أهمها النزاع على 3 جزر تتهم أبوظبي طهران باحتلالها وهي: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي تقع في الخليج العربي.
واتجهت العلاقة بين البلدين نحو التهدئة بعد لقاءات تمت بين مسؤولين من البلدين نهاية شهر فبراير الماضي لتدشين مرحلة جديدة قائمة على المصالح الاقتصادية والسياسية بعيداً عن الصراع والتوتر.
وعلى الرغم من أن هذا التحول في العلاقة بين البلدين يصب في مصلحة كل منهما إلا أن هناك العديد من الأسباب السياسية وراء الإقدام على هذه الخطوة. في هذه الورقة سنحاول الإجابة على سؤال لماذا أقدم الطرفان على هذه الخطوة وما هو مستقبل هذه المرحلة الجديدة؟
في عام 1892، دخلت الحكومة البريطانية في اتفاقيات مع شيوخ الساحل المتصالح، ألزمتهم فيها بعدم الدخول في اتفاقيات أو إجراء اتصالات مع أية قوة أو دولة أخرى عدا الحكومة البريطانية، ومقابل ذلك تعهّد البريطانيون بتحمّل مسؤولية الدفاع عن هذه الإمارات من أيّ عدوان خارجي. وشكلت تلك الاتفاقيات إضافة للاتفاقيات الموقعة حجر الزاوية للسيادة البريطانية في الخليج التي استمرت إلى 75 عاماً.
لكن في عام 1968، أعلنت الحكومة البريطانية انسحابها من المنطقة بسبب العديد من العوامل الاقتصادية والسياسية واستمرت عملية الانسحاب حتى الـ 30 نوفمبر 1971م، وعقب هذا التاريخ بأيام قليلة وبالتحديد في الثاني من ديسمبر عام 1972 تم الإعلان عن دولة الإمارات العربية المتحدة المكونة من 7 إمارات وهي أبوظبي، ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة.
منذ ذلك التاريخ مرت العلاقة بين إيران والإمارات بالعديد من المراحل من التوتر والصدام ثم الهدوء الحذر ثم التعاون الاقتصادي ثم التوتر مرة أخرى على خليفة برنامج طهران النووي وعدد من القضايا مثل التطبيع الإسرائيلي بين أبوظبي وتل أبيب ثم العودة مجدداً إلى الهدوء عبر بوابة الاقتصاد.
قضية الجزر الثلاث:
في اليوم الثاني لاستقلال الإمارات عن بريطانيا نشر شاه إيران أسطوله البحري للسيطرة على 3 جزر واقعة في الخليج العربي وهم طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى.
ومن هذا التاريخ تعتبر الإمارات وبعض الدول العربية أن الجزر الثلاثة محتلة من قبل إيران و يستندون في ذلك على أن التجار العرب حكموا طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى لقرون قبل وصول البريطانيين.
أما الإيرانيون فيعتقدوا أن هذه الجزر تنتمي إلى إمبراطوريات فارسية متعاقبة وأن الفرس كانوا يسيطرون على هذه المنطقة قبل مجيء البريطانيين إليها قبل مطلع القرن التاسع عشر.
وعلى الرغم من أن بعض هذه الجزر غير مأهولة إلا أنها تتمتع بأهمية استراتيجية كبرى مثل جزيرة أبو موسى التي تسيطر على الممرات البحرية القادمة من وإلى الخليج وأيضاً مضيق هرمز، وحدث أن استخدمتها إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حين شن الحرس الثوري الإيراني من جزيرة أبو موسى لشن هجمات خلال “حرب الناقلات” (1984-1988)، ثم في عام 1992، بدأ الإيرانيون في استدامة وجودهم العسكري في الجزر.
الملف النووي:
بدأت إيران في برنامجها النووي لأول مرة خلال عهد الشاه محمد رضا بهلوي، حين بدأ بالتعاون مع الولايات المتحدة ودول أوروبية في إطار برنامج “الذرة من أجل السلام” الذي أطلقته الولايات المتحدة.
لكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979، توقف التعاون الدولي مع إيران في المجال النووي، لكنها أعادت إحياء البرنامج بشكل سري في التسعينيات بالتعاون مع روسيا وباكستان، وفي عام 2002، كانت المفاجاة حين كشف مجلس المقاومة الإيرانية (المعارض) عن وجود منشآت نووية غير معلنة، مثل نطنز وأراك، مما أثار قلق المجتمع الدولي وأدى إلى فرض عقوبات دولية على إيران.
هذا التطور الهام دفع الإمارات للتعبير عن قلقها إزاء الأنشطة النووية والصاروخية الإيرانية، ودعت الإمارات إيران حينها إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتبديد المخاوف الإقليمية والدولية.
ولم يتوقف القلق الإماراتي عند حد القلاقل الأمنية من البرنامج النووي الإيراني، بل وصل إلى قلق بيئي نابع من قرب مفاعل بوشهر النووي الذي يبعد نحو 280 كم فقط من مدينة الكويت.
هذا القرب الجغرافي أثار مخاوف كبيرة من احتمالية حدوث تسربات إشعاعية قد تؤثر على البيئة والصحة العامة في المنطقة.
أما في عام 2015 حين تم توقيع الاتفاق النووي بين القوى الدولية وإيران مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، أبدت الإمارات قلقها من الاتفاق على الرغم من ترحيبها بالخطوة إلا أنها عبرت عن قلقها بسبب العديد من المخاوف المتعلقة بعدم معالجة الاتفاق لدور إيران لما يعرف ب”زعزعة الاستقرار الإقليمي” في إشارة إلى الدور الإيراني المتنامي في العراق واليمن وسوريا ولبنان.
التطبيع الإماراتي مع إسرائيل:
مثل توقيع اتفاقية “إبراهام” بين الإمارات وإسرائيل نقطة هامة في العلاقة المتوترة، بين أبوظبي وطهران، إذ وجدت إيران نفسها على بعد أميال من تواجد ونفوذ إسرائيلي جديد يهدد مصالحها بشكل كبير.
فبعد ساعات من توقيع الاتفاقية في أغسطس 2020، وصفته وزارة الخارجية الإيرانية بأنه “طعنة في ظهر المسلمين”، واتهمت الإمارات بـخيانة القضية الفلسطينية والتآمر مع إسرائيل ضد الدول الإسلامية والعربية.
عقب ذلك هدد الحرس الثوري الإيراني بأن الإمارات ستتحمل تبعات خطيرة بسبب هذا الاتفاق، وألمح إلى أن أي تحرك إسرائيلي في الخليج العربي قد يكون هدفاً عسكرياً لإيران وهذا الأمر أدى إلى توتر العلاقة مرة أخرى بينها.
هناك العديد من الأسباب وراء هذا التقارب في ظل الوضع الإقليمي الجديد عقب عملية طوفان الأقصى وسقوط نظام بشار الأسد وعودة دونالد ترامب للبيت الأبيض في يناير عام 2025.
الموقف الإماراتي:
فبالنسبة للإمارات فإن التقارب مع إيران في هذا التوقيت سيمنح أبوظبي موقفاً قوياً أمام المنافسة الاقليمية المحتدمة مع المملكة العربية السعودية التي اتخذت نهجا مغايرا للسياسة الإماراتية بعد قرابة عقد من التعاون بينها، فتغيرت المصالح الاستراتيجية بينهما حتى أصبح كل طرف منهما يقف على الطرف الأخر فعلى سبيل المثال في اليمن تعارضت المصالح بين الرياض وأبوظبي، فما تريده الإمارات من تقسيم لليمن أصبح يضر بالمصالح الاستراتيجية للسعودية التي تريد بقاء اليمن كدولة موحدة.
اقتصادياً تريد الإمارات فتح مسار اقتصادي مع إيران حتى ضمن إطار العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية والولايات المتحدة على طهران في ظل المنافسة الاقتصادية أيضا مع المملكة العربية السعودية التي تركز على رؤية 2030 التي تقوم على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
لجوء السعودية إلى التهدئة مع إيران يعد من الأسباب القوية أيضاً وراء ولوج أبوظبي إلى هذا المسار فلا تريد الإمارات أن تصبح الدولة الخليجية المعادية لإيران في هذا التوقيت الحرج، في ظل وجود علاقات جيدة بين إيران وبعض دول الخليج مثل سلطنة عمان وقطر والكويت والآن السعودية، فمن ثم لا يوجد مبرر لدى الإمارات في بقاء العلاقات مع إيران في مرحلة التوتر.
أيضاً العلاقة القوية بين الإمارات والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تكون أحد الأسباب الهامة لهذا التقارب، فأبوظبي تريد لعب دور دبلوماسي جديد في المنطقة والتقارب مع إيران سيمنحها ورقة قوية أمام ترامب إذا ما قررت واشنطن التفاوض مع طهران على اتفاق جديد بعيداً عن ذلك الذي مزقه ترامب في دورته الرئاسية الأولى في ظل المنافسة على لعب هذا الدور بينها وبين قطر التي تجيد التقارب بين الخصوم ولعبت العديد من الأدوار الدبلوماسية في السنوات الأخيرة.
الموقف الإيراني:
تعرضت إيران لضربة قوية عقب الخسائر الكبيرة التي مني بها حزب الله في الحرب مع إسرائيل ورحيل عدد من قادة الصف الأول للحزب مثل أمينه العام حسن والقيادي هاشم صفي الدين وغيره، وكذلك سقوط نظام بشار الأسد في سوريا مما أجبر إيران على انتهاج سياسة جديدة تقوم على الانكفاء على الداخل وعدم التوسع خارج الحدود كما كانت تفعل من قبل وبات الأهمية القصوى لدى طهران هي الحفاظ على النظام بعد التهديدات المتكررة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة ومن ثم تريد طهران تحييد جبهة الإمارات التي قد تكون رأس حربة في أي تطور عسكري أو سياسي ضد إيران وهذا لا يعني مشاركة الإمارات في العمل العسكري مثلا ولكن على الأقل عدم استخدام الأراضي الإماراتية للتجسس من قبل الموساد الإسرائيلي أو الإستخدام الأجواء الإماراتية لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران.
أيضا التوتر الحاصل الآن بين إيران وتركيا قبل سقوط نظام بشار الأسد وبعده يعتبر من الأسباب الهامة لهذا التقارب، فالكثير من التقارير وحتى التصريحات على لسان بعض القادة الرسميين في البلدين توحي بأن هناك توتر كبير بين أنقرة وطهران، ومن ثم لا تريد إيران بقائها محاصرة من جميع الجهات فهي تريد كسر هذه العزلة والتقارب مع الإمارات قد يخدم هذه الاستراتيجية.
ثمة أمر هام أيضاً وهو وصول ترامب إلى الحكم -الأمر الذي كانت لا ترغب فيه إيران– فلذلك تريد طهران التحوط من سياسة الرئيس الأمريكي الذي قد يفرض عقوبات اقتصادية جديدة وقوية عليها ما لم توافق على الاتفاق الجديد الذي تسعى الإدارة الأميركية إلى تقديمه وهو يشمل الملف النووي والصاروخي لإيران وأيضا تحجيم أذرع طهران في العراق وبعض الدول العربية ومن ثم في حال توقيع هذه العقوبات فإن السوق الإماراتي قد يكون أحد أهم أسباب الإنقاذ التي ستلجا إليها طهران كما فعلت من قبل.
سيناريو التعاون: ويقوم هذا التصور على توسيع الإمارات وإيران نطاق التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مع استمرار المشاورات حول الملفات الأمنية والذي يدعم هذا التصور الحاجة إلى تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بينهما، خاصة في ظل مساعي إيران لتجاوز العقوبات الدولية.
أيضاً رغبة الطرفين في تقليل التوترات الأمنية في الخليج، مما يعزز بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والتجارة.
كذلك توظيف التقارب كوسيلة للوساطة في الأزمات الإقليمية، مثل الوضع في اليمن وسوريا.
سيناريو التعاون الحذر والمشروط حيث ستبقى العلاقات في إطار “التطبيع الحذر”، حيث تحافظ الإمارات على قنوات التواصل، لكنها تحد من التعاون في ظل الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل، على الإمارات للحد من التعاون مع إيران، كما حدث قبل ذلك مرات عديدة لكن يبقى هذا التطور مرهون برغبة الولايات المتحدة في الضغط على إيران لإبرام صفقة جديدة تخص ملفها النووي.
سيناريو عودة التوتر: في حال تصاعد التوترات الإقليمية أو وقوع أحداث أمنية خطيرة، قد تتراجع العلاقات إلى حالة البرود أو التوتر الدبلوماسي بسبب العديد من المشاكل العالقة بينهما مثل قضية الجزر الثلاثة في ظل تباين المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، لا سيما فيما يتعلق بالتحالفات الإقليمية.
من المرجح أن تواصل الإمارات وإيران نهج البراغماتية في علاقاتهما، حيث تسعى كل منهما إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية والأمنية دون التصعيد. ومع ذلك، سيظل مستقبل هذه العلاقات مرهونًا بتطورات الملفات الإقليمية، والضغوط الدولية، ومدى قدرة الطرفين على إدارة الخلافات بشكل دبلوماسي.