
تواجه إيران أزمة جفاف غير مسبوقة تهدد مواردها المائية وتضع مدنها الكبرى على حافة أزمة إنسانية وبيئية. ففي خريف هذا العام، لم تهطل الأمطار تقريبا في أجزاء واسعة من البلاد، بما في ذلك العاصمة طهران، الأمر الذي أدى إلى انخفاض خطير في مخزون المياه السطحية والجوفية. هذه الأزمة هي امتداد من خمس إلى ست سنوات متتالية من الجفاف الحاد، مما جعل قضية الماء الهاجس الوطني الأول للإيرانيين. حتى إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حذّر بصراحة من أنه إذا استمر انحباس المطر، فقد تُضطر السلطات إلى تقنين المياه بشدة أو حتى إخلاء مدينة طهران بأكملها تفاديا لانهيار تام في الإمدادات.
أولاً: الوضع الراهن لأزمة الجفاف
في الوقت الراهن، تظهر جميع المؤشرات أن إيران ترزح تحت واحد من أشد مواسم الجفاف في تاريخها الحديث. فمنذ بداية موسم الأمطار في أواخر أيلول/سبتمبر (مطلع فصل الخريف)، مرَّ أكثر من 60 يوما دون أمطار تُذكر في معظم أنحاء البلاد. ولأول مرة منذ ستة عقود، سجّلت عشرون محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية صفرا في كمية الأمطار خلال النصف الأول من الخريف، أي لم تسقط فيها حتى قطرة مطر واحدة. أما باقي المحافظات، فلم تكن أوفر حظا بكثير، إذ شهدت كميات هزيلة من الأمطار أقل بكثير من المعدلات المعتادة. ونتيجة لذلك، قُدِّر متوسط انخفاض الهطولات المطرية على المستوى الوطني بنحو 80٪ أقل من معدلاته الطويلة الأجل خلال الأسابيع الأولى من الخريف. على سبيل المثال، لم تحصل طهران سوى على حوالي 1 ملم من الأمطار طوال هذا العام حتى نهاية نوفمبر، وهو حدث من النادر وقوعه إلا مرة كل قرن.
إن انعكاسات هذا الانحباس المطري الحاد ظهرت جليا في الموارد المائية السطحية. تقلصت مناسيب المياه في الأنهار والسدود إلى مستويات خطرة. سدود رئيسية كانت تغذي المدن باتت شبه فارغة؛ فقد ارتفع عدد السدود التي انخفض مخزونها إلى أقل من 5٪ من سعتها الإجمالية من 8 سدود (في أوائل الخريف) إلى 32 سدا مع تقدم الموسم. الكثير من هذه السدود توجد في حوض طهران وحولها. فعلى سبيل المثال، سد لتيان، أحد المصادر الأساسية لمياه الشرب في العاصمة، لم يعد يحتوي إلا على نسبة ضئيلة من سعته في منتصف شهر نوفمبر، مقارنة بحوالي ثلث سعته في نفس الوقت من العام السابق. وينطبق الحال نفسه على بقية سدود طهران الكبرى (لار وطالقان وأمير كبير وماملو)، حيث تدنت نسبة التخزين فيها إلى حوالي 10٪ فقط بالمعدل. بعض هذه الخزانات نضب فعليا؛ فسد لار القريب من طهران جف مخزونه بنسبة تقارب 99٪ وخرج تماما عن الخدمة المائية.
جفاف نهر “كَن” الذي يصب من مرتفعات البرز نحو سهول طهران يعكس حدة أزمة المياه التي تضرب البلاد. وقد أدى جفاف الأنهار ومصادر المياه السطحية الأخرى إلى انتقال العبء إلى المياه الجوفية. فمع انعدام التغذية الطبيعية لتجديد المخزون الجوفي، اضطرت السلطات إلى زيادة الضخ من الآبار لتعويض النقص، ما يفاقم استنزاف المياه الجوفية ويتسبب بمشكلات بيئية مثل هبوط سطح الأرض في بعض المناطق نتيجة فراغ الطبقات تحت التربة. وفي العاصمة طهران، يُستخرج حاليا كميات كبيرة من المياه الجوفية لسد جزء من احتياجات السكان، وهو ما رفع استهلاك المخزون الجوفي إلى مستويات غير مستدامة.
ثانياً: الأسباب والعوامل وراء الأزمة
تعود أزمة الجفاف الحالية في إيران إلى تضافر عوامل مناخية وطبيعية مع عوامل بشرية وهيكلية تراكمت عبر عقود. فمن ناحية، لا يمكن إنكار دور التغير المناخي في تفاقم شدة الجفاف وطول مدته. لقد شهدت المنطقة عموما ارتفاعا في درجات الحرارة على المدى البعيد وتراجعا في معدلات الأمطار السنوية، مما جعل فترات الجفاف أكثر حدة وطولا من ذي قبل. تشير الدراسات الحديثة إلى أن الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري جعل موجة الجفاف الخماسية السنوات التي تضرب إيران حاليا أكثر احتمالا بعشرة أضعاف مما كانت ستصبح عليه في مناخ لم يتغير. وبالفعل، تُصنَّف هذه الأزمة المائية كواحدة من أشد فترات الجفاف المسجلة في تاريخ إيران الحديث، حيث لم تشهد البلاد في الستين عاما الماضية جفافا يماثل هذه المرحلة من حيث المدة والشدة. ومع ارتفاع متوسط درجات الحرارة وزيادة تبخر الرطوبة من التربة، باتت فصول الأمطار أقصر وأقل إدرارا للمياه، ما يعني تراجع التغذية الطبيعية للأنهار والمياه الجوفية.
غير أن العامل المناخي وحده لا يفسّر حجم الكارثة الراهنة بالكامل. فإلى جانب شُحّ الأمطار، هناك عوامل بشرية وإدارية ساهمت بشكل جوهري في إيصال موارد إيران المائية إلى حافة الهاوية. أبرز هذه العوامل هو سوء إدارة الموارد المائية على مدى عقود، وخاصة في القطاع الزراعي. فمنذ الثمانينات انتهجت الحكومات الإيرانية سياسات تشجّع التوسع الزراعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، حتى في مناطق شبه قاحلة لا تحتمل زراعة محاصيل شرهة للمياه. وقدمت الدولة دعما سخيا للمزارعين لزراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك المائي مثل الأرز وقصب السكر والتفاح، وضمنت شراء تلك المحاصيل بأسعار مدعومة.كما وفّرت للمزارعين قروضا ميسرة ومدخلات زراعية مدعومة لتشجيع استصلاح مزيد من الأراضي وزيادة الرقعة المزروعة. وقد ساهمت هذه السياسات في مضاعفة مساحة الأراضي المروية في إيران منذ عام 1979، لتتجاوز اليوم 22 مليون فدانا. لكن هذا التوسع جاء بثمن باهظ تمثل في استنزاف الموارد المائية بشكل يفوق طاقة الطبيعة على التجدد.
أفضت سياسة الاكتفاء الذاتي الغذائي هذه إلى أن القطاع الزراعي يستهلك اليوم أكثر من 90٪ من إجمالي المياه في إيران، بينما لا تشكل مساهمته في الاقتصاد سوى حوالي 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي ويشغّل قرابة 14٪ من القوى العاملة. بمعنى آخر، تُستنزف غالبية مياه إيران لريّ محاصيل وإنتاج غذاء يسهم بنسبة محدودة في الاقتصاد، ما يعكس درجة كبيرة من عدم الكفاءة في استخدام الموارد المائية. والأسوأ من ذلك أن جزءا معتبرا من هذا الإنتاج الزراعي يُهدَر أو يتلف قبل وصوله إلى المستهلك بسبب نقص مرافق التخزين والنقل الملائمة، واعتماد أساليب ري تقليدية منخفضة الكفاءة، وزراعة محاصيل في بيئات غير مناسبة لها.
جانب آخر خطير هو الاعتماد المفرط على المياه الجوفية لتعويض نقص المياه السطحية. فقد أصدرت السلطات على مر السنين تصاريح حفر عشرات الآلاف من الآبار في السهول الجافة لتوفير مياه الري، وتسامحت، أو عجزت عن منع، حفر الكثير من الآبار غير المرخصة أيضا. النتيجة كانت استنزافا هائلا للمياه الجوفية وانخفاضا حادا في مناسيبها. وعلى الرغم من اتخاذ خطوات للتنظيم الاستفادة من المياه الجوفية كإغلاق الآبار غير المرخص بها إلا أن هذه الخطوات جاءت متأخرة للغاية.
كما ساهم هوس بناء السدود وتحويل مجاري الأنهار في مفاقمة المشكلة. فمنذ عقد الثمانينات، شهدت إيران طفرة في إنشاء السدود على الأنهار بهدف توفير المياه وتوليد الكهرباء، حيث بُنيت المئات من السدود الكبيرة والمتوسطة في مختلف أنحاء البلاد، غالباً ما كانت هذه السدود تستخدم كدعاية سياسية للرئيس الذي يحكم وحزبه. لكن كثيرا من تلك السدود لم يُدار بطريقة مستدامة، فامتلأت بعض خزاناتها بالرسوبيات أو تُركت شبه فارغة مع تراجع التدفقات الطبيعية.
كما يوجد سبب أخر لهذا النوع من الجفاف وهو نقل الصناعات ذات الاستهلاك المائي عال المستوى إلى محافظات شبه صحراوية مما استنفذ الموارد المائية كما حدث عن نقل صناعات المعادن والصلب والفولاذ إلى أصفهان ذات الموارد المائية الشحيحة.
وتنعكس مشكلة سوء الإدارة أيضا في جانب الهدر والتسرب. فبحسب بيانات شركة المياه الوطنية، نحو ثلث المياه المضخة في الشبكات يهدر أو يتسرب قبل وصوله إلى المستهلك. ويعني ذلك أن حتى الكميات الشحيحة التي يتم توفيرها لا تصل كلها إلى المستفيد النهائي، بل يضيع جزء معتبر منها في الطريق بسبب البنية التحتية القديمة والتعديات غير المشروعة على الشبكة.
فضلا عن ذلك، هناك ارتباط بين أزمة الماء والسياسات الاقتصادية الأوسع نطاقا. فقد أدت العقوبات الدولية المفروضة على إيران إلى انكفاء الاقتصاد نحو الداخل والتركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية محليا.
ثالثا: تداعيات الأزمة وجهود المواجهة
أمام هذا الواقع المأزوم، باتت تداعيات أزمة الجفاف تهدد مختلف جوانب الحياة في إيران، مما اضطر الحكومة والمجتمع لاتخاذ خطوات طارئة للتكيف وتخفيف الأضرار. فعلى الصعيد الآني، أبرز التداعيات هو خطر نقص مياه الشرب في المناطق الحضرية. لقد أصبحت طهران ومدن كبرى أخرى مهددة فعليا بالدخول في مرحلة تقنين صارم للمياه. وقد أعلن المسؤولون أنه إذا استمر غياب المطر فسيُفرض تقنين صارم للمياه في طهران، يشمل احتمال قطع المياه لفترات محددة (خاصة أثناء الليل). علما بأن تخفيض ضغط الشبكة ليلا طُبق بالفعل بصورة غير رسمية في الأشهر الماضية كإجراء طارئ. ويتوقع الخبراء أن يستمر هذا الوضع لحين حلول أمطار الشتاء المأمولة في ديسمبر، وفي حال تأخر المطر أكثر من ذلك فإن سيناريوهات أصعب قد تصبح واقعا.
من بين تلك السيناريوهات الطارئة التي طُرحت على أعلى المستويات هي احتمال إخلاء بعض المناطق المهددة بنفاد المياه تماما. فقد أثار تصريح للرئيس الإيراني موجة من القلق حين ألمح إلى أن استمرار غياب المطر قد يجبر السلطات على دراسة نقل سكان العاصمة طهران (البالغ عددهم نحو 15 مليونا) إلى مناطق أخرى أقل تأثرا بالجفاف. ورغم أن مسؤولين آخرين قللوا من واقعية هذا الخيار واعتبروه شبه مستحيل لوجستيا، وأن الرئيس أطلقه لمجرد التحذير فقط، فإن مجرد طرحه يعكس خطورة الوضع. وأقرّ بعض خبراء الموارد المائية بأنه قد يأتي وقت تُضطر فيه السلطات إلى إفراغ الأجزاء الأكثر اعتمادا على مياه السدود من مدينة طهران إذا لم تتحسن الموارد. صحيحٌ أن إجلاء عشرات الملايين يبدو خيارا بعيد الاحتمال، لكن اضطرار بعض التجمعات السكانية إلى النزوح المؤقت ليس مستبعدا إذا بلغ النقص مرحلة حرجة.
في مواجهة هذه التحديات، باشرت الحكومة حملة طوارئ لترشيد الاستهلاك، مطالبة المواطنين بخفض استخدامهم المنزلي بنحو ۲۰٪. وقد أثمرت هذه الجهود عن تراجع الاستهلاك بنحو ۱۰٪ إلى ۱۲٪ في طهران خلال الأشهر الماضية، كما توعدت السلطات بقطع المياه عن المشتركين الأكثر إسرافا إن لزم الأمر.وإلى جانب الترشيد، تسعى الحكومة إلى زيادة الموارد المتاحة بشكل طارئ. على سبيل المثال، مشروع نقل المياه من سد طالقان إلى شبكات مياه طهران والبرز، والذي تأخر إنجازه لسنوات، تم إكماله ووضعه في الخدمة بشكل مستعجل مؤخرا. ويستطيع هذا الخط تأمين مياه إضافية لحوالي 3 ملايين نسمة في العاصمة وجوارها، كما يتيح صيانة الشبكات القديمة المتهالكة دون قطع الخدمة. كذلك افتُتحت مشروعات جديدة لإعادة تدوير مياه الصرف الصحي واستخدامها لأغراض زراعية وصناعية بغية تخفيف الضغط عن مياه الشرب، مثل مشروع إعادة استخدام مياه الصرف في منطقة رباط كريم قرب طهران. وعلى صعيد الطاقة، جرى تدشين محطات كهرباء شمسية وتعزيز برامج كفاءة استهلاك الكهرباء، وذلك في جزء منه لتعويض انخفاض توليد الكهرباء المائية بسبب شح المياه في السدود وتطمح طهران إلى تفعيل 7 آلاف ميغاواط للطاقة الشمسية بحلول مارس 2026.
وضمن الحلول التقنية قصيرة المدى أيضا، لجأت السلطات إلى تجربة الاستمطار الصناعي (تلقيح السحب) أملا في تحفيز سقوط المطر. وقد أُجريت أول عملية استمطار هذا الموسم في نوفمبر فوق حوض بحيرة أورمية في شمال غرب إيران، مع خطط لتوسيع التجربة إلى مناطق أخرى إذا سمحت الظروف الجوية. لكن الخبراء يحذرون من المبالغة في التعويل على الاستمطار، فهو إجراء ذو فعالية محدودة ولا يمكن أن يُنتج كميات أمطار تقارب الحاجة الفعلية للبلاد. إضافة إلى ذلك، لا يمكن تنفيذ هذه التقنية إلا عند وجود سُحب ورطوبة كافية أصلا في الجو، وهو أمر نادر في فترات الجفاف الشديد.
الخاتمة
كشفت أزمة الجفاف الحالية في إيران عن مستوى خطير من الهشاشة في منظومة إدارة المياه في البلاد، حيث تضافرت ندرة الأمطار نتيجة التغير المناخي مع عقود من السياسات المائية غير المستدامة لتضع إيران أمام منعطف حرج. لقد أصبحت مشاهد الأنهار الجافة والسدود الفارغة ونداءات الاستغاثة لتقليل الاستهلاك مظاهر يومية تذكّر الجميع بأن الأمن المائي بات مسألة حياة أو موت في الوقت الراهن. ورغم الموقف الحرج، فإن هذه الأزمة قد تحمل في طياتها فرصة نادرة لإعادة تقييم السياسات وتصحيح المسار. إن إدراك الجمهور والمسؤولين على حد سواء لحقيقة “الإفلاس المائي” الذي وصلت إليه البلاد قد يكون دافعا نحو تغييرات بنيوية طال تأجيلها. فعلى المدى القريب، يبقى الأمل معقودا على رحمة السماء بأن تحمل الأشهر القادمة ما يكفي من الأمطار والثلوج لتخفيف حدة الأزمة. لكن على المدى البعيد، لا غنى عن تبني إستراتيجيات مستدامة توازن بين احتياجات السكان والموارد الطبيعية المتاحة، وتضع الاستدامة والكفاءة في صلب عملية صنع القرار. عندها فقط، يمكن لإيران أن تتجاوز هذه المحنة وتبني قدرا أكبر من المناعة والصمود أمام تقلبات المناخ، حفاظا على مستقبل أجيالها وازدهار مجتمعها.