في 22 يونيو 2025، شنت الولايات المتحدة الأمريكية هجوما جوياً استهدف منشآت إيران النووية نطنز وفوردو ومنشآت أصفهان، في واحدة من أكثر العمليات حساسية وتعقيدا في تاريخ التوتر النووي الإقليمي. وفي حين سارع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى إعلان أن العملية “قضت تماما” على القدرات النووية الإيرانية وأعادت البرنامج سنوات إلى الوراء، ظهرت في المقابل مؤشرات متزايدة من مصادر إعلامية ومراكز استخبارات تشير إلى نتائج أقل حسماً بكثير وهي تراجع البرنامج الإيراني لبضعة أشهر فحسب، لا أكثر.
لكن ما غاب عن معظم التقييمات الأولية للعملية، وتحديداً في سياق التحليلات الاستراتيجية الغربية، لم يكن مدى الضرر الذي لحق بالبنية التحتية النووية، بل مصير أحد أهم أصول إيران النووية، 400 كغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي نظريا لإنتاج عدة رؤوس نووية، إذا ما جرى تخصيبها إلى مستوى 90%. هذا المخزون، وما يكتنفه من غموض تقني ومصير غير مؤكد، أطلق مرحلة جديدة من الردع النووي في الشرق الأوسط، مرحلة “الردع القائم على القدرة الكامنة دون تصريح”، أو ما يمكن تسميته بإعادة هندسة الردع من خارج النموذج الكلاسيكي للحرب الباردة والقدرات النووية للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة آنذاك.
أولاً: القدرات التقنية وبنية التخصيب في قلب معادلة الردع
في الجوهر، لا ينبني الردع النووي على امتلاك السلاح، بل على امتلاك القدرة المؤكدة على إنتاجه في وقت قصير، مع إشارات استراتيجية كافية لجعل الخصم يتصرف وفق أسوأ السيناريوهات الممكنة. هذا هو بالضبط ما يفعله المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب، إذا ما ثبت أنه نُقل من المنشآت المستهدفة إلى مواقع آمنة قبل القصف.
تشير المعطيات المتاحة إلى أن إيران اتخذت جملة من الإجراءات التقنية واللوجستية العميقة، وليست الدعائية، منذ مايو 2025، لتعزيز قدرتها على مواصلة التخصيب خارج المنشآت النووية المعروفة. أول إشارة استراتيجية جاءت في رسالة رسمية قبل بدء الحرب، وجهها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورئاسة مجلس الأمن الدولي، في 22 مايو 2025، أكد فيها أن طهران ستتخذ “جميع الإجراءات اللازمة” لحماية المواد النووية ومنشآتها في ظل تهديدات إسرائيلية متصاعدة. لم تكن تلك الرسالة مجرد تحذير دبلوماسي، بل تمثل بداية إعلان عن تحول نوعي في سلوك البرنامج النووي الإيراني من العلنية المشروطة إلى السرية المحمية.
لاحقا وقبل يوم واحد من الهجوم الإسرائيلي، وفي 12 يونيو تحديداً، أصدر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارا سلبيا بحق إيران، سرعان ما تبعته تصريحات رسمية إيرانية عن تشغيل منشأة تخصيب جديدة في موقع جديد يقع على الأغلب تحت جبل “كلنك غزلا” في أصفهان وسط إيران على عمق كبير يتجاوز عمق منشآة فوردو المحصنة تحت جبال قم كما أن المنشآة الجديدة لا تحتوي على فتحة هواء ظاهرية تجعل من الصعب تدميرها مثلما حصل لفوردو. بحسب تقديرات غير رسمية، فإن هذه المنشأة تحتوي على أجهزة طرد مركزي متقدمة من طراز IR-8 وIR-9، وهي قادرة على تخصيب كميات كبيرة من اليورانيوم بمعدلات مرتفعة خلال فترات زمنية قصيرة.
إن وجود 400 كغ من اليورانيوم بنسبة 60%، مع أجهزة طرد متقدمة، وفي منشأة محمية جغرافيا، يعني تقنيا إمكانية الوصول إلى يورانيوم مخصب بنسبة 90% في فترة لا تتجاوز من أسبوعين إلى شهرين، وهي عتبة حرجة في علم الردع النووي. وهذه الكمية وحدها تكفي نظريا لإنتاج من 8 إلى 10 رؤوس حربية نووية، وفقا لمعايير الحد الأدنى لتصنيع رأس نووي انشطاري بسيط.
مع ذلك، فإن تطوير سلاح نووي قابل للاستخدام، لا سيما تحميله على وسيلة إيصال استراتيجية (صاروخ) يتطلب أكثر من مجرد مادة انشطارية. هنا ندخل إلى منطقة الغموض الأكبر وهي هل تمتلك إيران القدرة التقنية لصناعة الرأس الحربي نفسه؟
التقديرات المتخصصة تُجمع على أن التحدي الأكبر لا يكمن في التخصيب بحد ذاته، بل في القدرة على تصميم العدسات التفجيرية (Explosive Lens) المستخدمة في القنابل النووية الانفجارية الداخلية (Implosion Devices)، والتحكم في التوقيت، وتبريد المادة الانشطارية، وتوفير غلاف يضمن الاستقرار خلال النقل والأهم عملية الاختبار النووي. وهذه كلها تحتاج إلى بنية صناعية نووية موازية وسرية، تشمل خطوط تصنيع لا تظهر في تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ورغم أن طهران لا تعلن، ولم تعلن قط، عن نيتها تصنيع سلاح نووي، إلا أن المعادلة القائمة حالياً تسمح لها بامتلاك “القدرة دون التصريح بها”. هذه الصيغة تشكّل جوهر الغموض النووي الاستراتيجي، وتؤسس لنمط جديد من الردع لا يعتمد على التلويح بالقنبلة، بل على التهديد بإمكانية إنتاجها عند الحاجة في إطار زمني قصير، ودون إنذار مسبق وفي حالة غموض كاملة.
ثانياً: من الردع النووي الكلاسيكي إلى الغموض الردعي التراكمي
لطالما استند الردع النووي الكلاسيكي، كما تطور في سياق الحرب الباردة، إلى توازن الرعب بين قوتين تمتلك كل منهما ترسانة نووية ضخمة وقدرة مضمونة على توجيه “الضربة الثانية” (Second Strike) بعد التعرض لهجوم نووي أول. هذا النموذج، الذي ساد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ارتكز على ثلاثة أركان: الشفافية النسبية في القدرات النووية، وجود وسائل إيصال موثوقة، ووجود أنظمة قيادة وتحكم مرنة وصلبة في آن.
غير أن الحالة الإيرانية تمثل انحرافاً نوعياً عن هذا النموذج. إيران لا تعلن امتلاكها لسلاح نووي، لكنها، كما سبق وأوضحنا، تمتلك المقومات التقنية الكافية للتحول السريع إلى دولة نووية. والأهم، أنها لا تبني ردعها على الإظهار، بل على الغموض المقصود، المدعوم بقدرة تقنية فعلية، ومسكوت عنها رسميا خصوصا بعد حربها مع إسرائيل. هذا ما يجعل الردع الإيراني أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”الغموض الردعي التراكمي”، أي تراكم خطوات تقنية تدريجية لا تستدعي ردا منفردا، لكنها بمجملها تغيّر قواعد اللعبة.
في هذا السياق، يصبح إطلاق أي صاروخ إيراني بعد هذا التحول، حتى وإن لم يكن نوويا، مصدر تهديد وجودي. فالدول الخصم، وعلى رأسها إسرائيل، ستفترض في لحظة القرار أن الصاروخ محمل برأس نووي، لعدم وجود وسيلة مؤكدة لنفي ذلك في الزمن العملياتي المحدود الذي تفرضه الهجمات الصاروخية. هذه “الضبابية الصاروخية النووية” تؤسس لمرحلة من الردع النفسي والعقائدي أكثر مما هي ردع مادّي تقليدي.
ومما يزيد من تعقيد معادلة الردع في هذا السياق، أن الردع لا يصبح محكوما بإرادة الفاعلين، بل بأسوأ تقديراتهم الممكنة. أي أن مجرّد وجود إمكانية واقعية لتحويل المواد المخصبة إلى رأس حربي في زمن قصير، يفرض على صناع القرار في تل أبيب وواشنطن أن يتعاملوا مع إيران كقوة تمتلك قدرة الضربة النووية، وإن لم تعلنها.
وبذلك تكون إيران قد أعادت تعريف الردع بطريقة فعالة، لا تعتمد على الإعلان، بل على التلميح المدروس والقدرة الكامنة والتصعيد المقنّن. وفي هذا السياق، يصبح النموذج الكلاسيكي للردع النووي غير ذي جدوى، لأنه لم يُصمم للتعامل مع خصم لا يمتلك سلاحا نوويا لكنه قادر على إنتاجه، وقد يفعل في أي لحظة.
ثالثا: استراتيجية إيران التفاوضية والغموض كسلاح سياسي
الغموض النووي، في السياق الإيراني، لا يُستخدم فقط كأداة ردع عسكري، بل كأداة تفاوض استراتيجية من الطراز الرفيع. فعلى خلاف ما يُفترض في الخطاب السياسي الغربي، لم تقطع إيران خطوط الاتصال مع الغرب، بل وظفت ما حصل لتثبيت موقع تفاوضي جديد أكثر صلابة.
في الأيام التي تلت الضربات، لوحظ تصعيد دبلوماسي محسوب من قبل طهران. وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لم يغلق باب التفاوض، بل أرسل إشارات مزدوجة، أولها تأكيد أن المنشآت تعرضت لأضرار جسيمة لتفادي ضربات جديدة على المنشآت النووية الإيرانية، وثانيها تجنّب إعلان رسمي عن فقدان المواد المخصبة. بهذا، رسم عراقجي ملامح معادلة تفاوض جديدة، الغرب دمر المباني، لكن القدرة النووية لا تزال قائمة، وبالتالي فإن المطالب الأمريكية بتخصيب صفري لليورانيوم (Zero Enrichment) لم تعد واقعية أو قابلة للتحقيق.
منذ الكشف عن الطبيعة السرية لبرنامجها النووي في 2002، لجأت إيران إلى سلوك استراتيجي معقّد قائم على ما يسميه بعض الباحثين بـ”نموذج الضفدع المغلي” وهو وصف دقيق للاستراتيجية الإيرانية في التعامل مع المجتمع الدولي. لا تقفز إيران في تخصيبها من 3.67% إلى 90% مباشرة، بل تصعد تدريجياً:
من 3.5% إلى 5%
ثم إلى 20%
ثم إلى 60%
والآن باتت تملك المواد التي تؤهلها للوصول إلى 90% عند الحاجة. كما أنها اليوم تستخدم نفس استراتيجية الضفدع المغلي. فلكي تكتمل عملية الغموض الاستراتيجي النووي، قام البرلمان الإيراني بالتصديق على قانون تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 25 يونيو وفي 2 يوليو أبلغ الرئيس الإيراني الإدارات وحكومته بالتطبيق الكامل للقانون مما يعني أنه لم يعد للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشيها أي رقابة على المنشآت النووية الإيرانية إلى حين تحقق شرطين هما تأمين المنشآت النووية الإيرانية والعلماء النوويين الإيرانيين وتمتع طهران بكافة الحقوق المنصوص عليها في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بعد تأييد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
هذه المقاربة لا تُشعل رداً دولياً فورياً، لكنها تخلق واقعا جديدا مع كل درجة تصعيد، ويصبح من الصعب على الخصم تحديد اللحظة التي تستدعي ضربة وقائية، مما يجعل المجتمع الدولي يتأقلم مع كل مستوى جديد من القدرة الإيرانية، دون قرار واضح بالرد.
بهذا المعنى، تصبح إيران دولة عتبة نووية وظيفيا دون أن تكون كذلك إعلانيا، وتتمكن من استخدام هذا الموقع لفرض مطالب سياسية واضحة في التفاوض. جوهر هذه المطالب اليوم، كما تفهم من الرسائل الإيرانية المتتالية، هو الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67% لأغراض سلمية، مقابل عودة الرقابة الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي مقابل ذلك، رفع العقوبات الأمريكية المؤثرة، خاصة تلك التي تمس شرعية النظام داخليا واستقراره الاقتصادي.
بعبارة أخرى، إيران لا تسعى حاليا إلى امتلاك سلاح نووي فاعل، بل إلى امتلاك الحق الواقعي في القدرة، واستخدام الغموض المرتبط بها كأداة ردع، ومصدر تفاوض، وضمانة لاستمرار النظام في مواجهة بيئة دولية معادية تتمثل بإسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوربية.
الخلاصة
إن ما تفعله إيران اليوم لا يشير إلى تحولها لدولة نووية، ولا حتى إلى بلوغها القدرة الكاملة لصناعة قنبلة نووية، بل إلى استثمار متقن لحالة من الغموض المحسوب والمدار بعناية، لاستخدامه كأداة استراتيجية ودبلوماسية.
فعمليا، لا توجد مؤشرات فنية تؤكد قدرة إيران، في الظروف الحالية، على خوض مراحل التصنيع النووي العسكري حتى نهايتها، لا سيما تلك المتعلقة بتصميم الرأس النووي، وضبط العدسات التفجيرية، وتحقيق الكتلة الحرجة، والأهم، إجراء اختبار نووي فعلي، والذي يعدّ نقطة الانكشاف الحاسمة لأي مشروع سري، ومؤشراً واضحاً على تجاوز العتبة نحو “النية العسكرية المؤكدة”.
وبالتالي، فإن ما تملكه إيران هو قدرة نووية تقنية قابلة للتطوير، دون أن تكون قابلة للتسليح على الأقل دون كشف دولي فوري. إلا أن هذه القدرة، المصحوبة بسياسة تكتيم مدروسة، كافية لخلق حالة من “الردع بالظنّ”، أو “الردع بالقابلية المشكوك فيها”، حيث تضطر الأطراف المعادية إلى افتراض الأسوأ في ظل غياب المعلومات المؤكدة.
وبذلك، لا يكون الغموض النووي الإيراني مجرد تكتيك مؤقت أو مرحلة رمادية، بل بنية استراتيجية بحد ذاتها، بنية تُبنى عليها السياسات، وتُدار بها التوازنات، وتُعاد بها صياغة مفهوم الردع في بيئة إقليمية متفجرة.
الردع، في هذه الحالة، لا يقوم على امتلاك القنبلة، بل على امتلاك الحق في إنتاجها نظريا، والقدرة الجزئية تقنيا، ورفض الشفافية عمليًا. وهذه الثلاثية كافية لصناعة قوة سياسية تفاوضية من موقع الندّية، وتفرض تنازلات غربية في مقابل وعود جزئية بإعادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو خفض نسب التخصيب ضمن حدود مقبولة.